الأراك يخللون به الفم يابسا والبعض يعدون له كثيرا من الخواص منها: إذا وضع
قائما يركبه الشيطان والبعض خالف فقال: بل إذا ألقي يورث مستعمله الجذام،
ويتوهم كثير من العامة أن السواك بالأراك من شعائر دين الإسلام إلى غير هذا من
مباحث التشديد والتشويش المؤديين إلى الترك على عكس مراد الشارع عليه السلام
من الندب إلى تعهد الفم بالتنظيف كيف ما كان.
ثم قال (العالم النجدي) : هذا ما ألهمني ربي بأنه في هذا الموضوع، وربما
كان لي فيه سقطات ولا سيما في نظر السادات الشافعية من الإخوان كالعلامة
المصري والرياضي الكردي؛ لأن غالب العلماء الشافعية يحسنون الظن بغلاة
الصوفية ويلتمسون لهم الأعذار وهم لا شك أبصر بهم منا معاشر أهل الجزيرة لفقدانهم
بين أظهرنا كليا ولندرتهم في سواحلنا ولولا سياحتي في بلاد مصر والغرب والروم
والشام لما عرفت أكثر ما ذكرت وأنكرت إلا عن سماع ولكنت أقرب إلى حسن
الظن ولكن ما بعد العيان لتحسين الظن مجال، وما بعد الهدى إلا الضلال، فنسأل
الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل.
فأجابه (العلامة المصري) أن أكثر الصوفية من رجال مذهبنا معاشر
الشافعية نتأول لهم كثيرا ما ينكره ظاهر الشرع ونلتمس له وجوها ولو ضعيفة لأننا
نرى مؤسسي التصوف الأولين كالجنيد وابن سبعين من أحسن المسلمين حالا وقالا.
وفيما يلوح لي أن منشأ ذلك فينا جملة أمور منها: كون علماء الشافعية بعيدون
عن الإمارة والسياسة العامة إلا عهدا قصيرا. ومنها كون المذهب الشافعي مؤسسا
على الأحوط والأكمل في العبادات والمعاملات أي على العزائم دون الرخص ومنها
كون المذهب مبنيا على مزيد العناية في النيات. فالشافعي في شغل شاغل بخويصة
نفسه وهو مستمر من جهة دينه ومحمول على تصحيح النيات وتحسين الظنون ومن
كان كذلك مال بالطبع إلى الزهد والإعجاب بالزاهدين وحمل أعمال المتظاهرين
بالصلاح على الصحة والإخلاص بخلاف العلماء الحنفية فإنهم من عهد أبي يوسف
لم ينقطع تقاربهم في النظر في الشئون العامة في عموم آسيا وكذا المالكية في
الغرب وإمارات أفريقيا والحنابلة والزيدية في الجزيرة ومن لوازم السياسة الحزم
وتغليب سوء الظن وإتقان النقد والأخذ بالجرح ومحاكمة الشئون لأجل العمل
بالأسهل الأنسب.
وقد امتاز أهل الجزيرة في هذا الخصوص بأنهم كانوا ولايزالون بعيدين عن
التوسع في العلوم والفنون وهم لم يزالوا أهل عصبية وصلابة رأي وعزيمة، وقد
ورد قول النبي عليه السلام فيهم: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المسلمون في
جزيرة العرب ولكن في التحريش) أي إغراء بعضهم ببعض، وكذلك أهل
الجزيرة لم يزل عندهم بقية صالحة كافية من السليقة العربية فإذا قرأوا القرآن أو
الحديث أو الأثر أو السيرة يفهمون المعنى المتبادر باطمئنان فينفرون من التوسع في
البحث ولا يعيرون سمعا للإشكالات فلا يحتاجون للتدقيقات والأبحاث التي تسبب
التشديد والتسويش، وأما غيرهم من الأمم الإسلامية فيتلقون العربية صنعة
ويقاسون العناء في استخراج المعاني والمفهومات ومن طبيعة كل كلام في كل لغة
أنه إذا مخضته الأذهان تشعبت وتشتت فيه الأفهام.
وربما جاز أن يقال في السادة الشافعية - ولا سيما في علماء مصر منهم -:
إن انطباعهم على سهولة الانقياد سهل أيضا دخول الفنون الدينية المستحدثة عليهم
ودماثة أخلاقهم تأبى عليهم إساءة الظن ما أمكن تحسينه فلذلك حازت هذه الفنون
التصوفية المستحدثة قبولا عند علماء الشافعية الأولين.
هذا وحيث قلنا: إن من خلق المصريين سهولة الانقياد ولا سيما للحق وكذلك
علماء الشافعية الأكراد كلهم أهل نظر وتحقيق فلا يصعب حمل الشافعية على النظر
في البدع الدينية خصوصا ما يتعلق منها بمظنات الشرك الجالب للمقت والضنك ولا
شك أنهم يمتثلون أوامر الله في قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله