سبق لنا ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وفعل أشياء كثيرة على سبيل
الاختصاص أو الحكاية أو العادة، ومنهم من تورع فصار لا يرى لزوما لتحقيق
معنى الآية أو للتثبت في الحديث إذ كان الأمر من فضائل الأعمال فيأخذ بالأحوط
فيعمل في الشديد ويظن الناس منه لك ورعا وتقوى ومزيد علم واعتناء بالدين
فيميلون إلى تقليده ويرجحون فتواه على غيره.
وهكذا عظم التشديد في الدين بالتمادي حتى صار إصرا وأغلالا فكأننا لم نقبل
ما من الله به علينا من التخفيف، وأن وضع عنا ما كان على غيرنا من ثقل
التكليف، قال تعالى شأنه وجلت حكمته: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: 78) ، وقال جلت منته مبشرا: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي
كانت عليهم} (الأعراف: 157) أي يخفف عنهم التكاليف الثقيلة. وعلمنا كيف
ندعوه بعد أن بين لنا أنه ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286) وهو
أن نقول: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما
حملته على الذين من قبلنا} (البقرة: 286) وقال تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ (النساء: 171) وقد ورد في الحديث (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه) [1] حديث
آخر (هلك المتنطعون) أي المتشددون في الدين وظن بعض الصحابة أن ترك
السحور أفضل بالنظر إلى حكمة تشريع الصيام فنهاهم النبي عليه السلام عن ظن
الفضيلة في تركه، وقال عمر رضي الله عنه في حضور رسول الله لمن أراد أن
يصلي النافلة بالفرض: بهذا هلك من قبلكم فقال النبي عليه السلام: أصاب الله
بك يا ابن الخطاب وأنكر النبي عليه السلام على عبد الله بن عمرو بن العاص التزامه
قيام الليل وصيام النهار واجتناب النساء، وقال له: (أرغبت عن سنتي؟ فقال، بل
سنتك أبغي، قال: فإني أصوم وأفطر وأصلي وأنام وأنكح النساء فمن رغب عن
سنتي فليس مني) وقد كان عثمان بن مظعون وأصحابه عزموا على سرد الصوم وقيام الليل والاختصاء، وكانوا حرموا الفطر على أنفسهم ظنا أنه قربة إلى
ربهم فنهاهم الله عن ذلك؛ لأنه غلو في الدين واعتداء فيما شرع فأنزل {يا أيها
الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} (المائدة: 87) أي أنه لا يحب من تعدى حدوده وما رسمه من الاقتصاد في
أمور الدين، وقد ورد في الحديث الصحيح قوله عليه السلام: (والذي نفسي بيده
ما تركت شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم من النار إلا أمرتكم به وما تركت شيئا
يقربكم من النار ويباعدكم من الجنة إلا نهيتكم عنه) فإذا كان الشارع يأمر بالتزام
ما وضع لنا من الحدود فما معنى نظرنا الفضيلة في المزيد، وورد في حديث
البخاري (إن أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل
مسألته) وبمقتضى هذا الحديث نقول: ما أحق بعض المحققين المتشددين بوصف
المجرمين.
وهذه مسألة السواك مثلا فإنه ورد عن النبي صلى الله وعليه وسلم فيها
أنه قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) فهذا الحديث مع صراحته
في ذاته أن السواك لا يتجاوز حد الندب جعله الأكثرون سنة وخصصه بعضهم بعود
الأراك، وعمم بعضهم الإصبع وغيرها بشرط عدم الإدماء، وفصل بعضهم أنه إذا
قصر عن شبر وقيل: عن فتر كان مخالفا للسنة، وتفنن آخرون بأن من السنة أن
تكون فتحته مقدار نصف الإبهام ولا يزيد عن غلظ إصبع، وبين بعضهم كيفية
استعماله فقال يسند ببطن رأس الخنصر ويمسك بالأصابع الوسطى ويدعم بالإبهام
قائما، وفصل بعضهم أن يبدأ بإدخاله مبلولا في الشدق الأيمن ثم يراوحه ثلاثا ثم
يتفل وقيل: يتمضمض ثم يراوحه ويتمضمض ثانية وهكذا يفعل مرة ثالثة، وبحث
بعضهم في أن هذه المضمضة هل تكفي عن سنة المضمضة في الوضوء أم لا،
ومن قال لا تكفي احتج بنقصان الغرغرة، واختلفوا في أوقات استعماله هل هو في
اليوم مرة أو عند كل وضوء أو عند تلاوة القرآن أيضا حتى صاروا يتبركون بعود