تقضي على هذا الملك الجديد وهذه الدولة الناشئة) فأراها يومئذ بنو مصر أي أمة
هم وأراها محمد علي أي أمير هو!
فتركت الثغور والبلاد آسفة على فشلها معجبة بهذا المجد الباهر، والعزم
القاهر، والوطنية الحقة، والهمة الحديدية) منطوق الكلام صريح في أن الذي أرى
الإنكليز ذلك العزم القاهر في نفسه، وفي الأمة المصرية هو محمد علي، وأنه هو
الذي كان إمام الأمة في الاستقلال ومفهومه أن أميرها في عصر الاحتلال الحاضر لم
يقدر أن يرى الإنكليز..، أي أمير هو؟ وأية أمة أمته؟ فالنتيجة أنه هو القائد
والإمام في هذا الاستسلام.
ولكن أكثر المصريين إن لم نقل كلهم قالوا: إن الأمير الحاضر (وفقه الله
تعالى) قد جاء مصر بهمة محمد علي وعزمه، وزاد عليه بدينه وعلمه، ولكنه لم
يجد في البلاد رجالا أصحاب عزائم يعمل بهم كما وجد محمد علي، والسبب في هذا
هو ما تقدم في المنار الماضي من كون محمد علي وجد الشجاعة والعزيمة والنجدة
في البلاد فحارب بها وحاربها حتى فنيت بعد ولايته في زمن قريب، فمقالة (آثار
محمد علي في مصر) التي نشرناها في الجزء الماضي يمكن أن يحتج بها من
يعتذر لأميرنا الحاضر (أيده الله) وإذا سلمت هذه المدائح والمناقب التي ذكرت في
الخطبة لمحمد علي فهي حجة على كل أولاده وأحفاده، ويجب أن تبعث في نفوس
المصريين حب محمد علي وبغض جميع ذريته الحاكمين ومقتهم؛ لأنهم هم الذين
أضاعوا استقلال النفوس فضاع في أثره استقلال البلاد لا سيما بعد الدين وإعطاء
الوظائف (للدخلاء) .
وإن تعجب فعجب سعي بعض الذين يزعمون حب سمو الخديو الحاضر أو
سعايتهم إليه باسم النصيحة بأن يجتهد في مقاومة كل صاحب إرادة وعزيمة في
مصر، حتى قال أحدهم لسموه (إذا لم تقطع هذه الرؤوس الناتئة كما فعل جدك فلا
يصفو لك الملك في مصر) فليتق الله هؤلاء الذين يقدحون من حيث يمدحون،
ويغشون في عين ما به ينصحون، ويضرون الراعي والرعية إذا رأوا أنهم
ينتفعون.
ومما يصح أن يعد حجة صريحة في الخطبة على ما تقدم فيها بالمفهوم من أن
خلف محمد علي هدموا ما بناه، وأماتوا ما أحياه، ما في الصفحة (13) من
المقابلة بين الأمة المصرية، والأمة اليابانية، وتفضيل نشأة الأولى على الثانية،
والحكم بأنها لو سلكت السبيل الذي وجهها إليه محمد علي لبلغت من الشأن والشأو
ما لا يكتنه كنهه، فإذا وجه الحكام المطلق الأمة إلى شيء هو في طبيعتها
واستعدادها فمن الذي يحولها عنه بعد ذلك إلا الحاكم المطلق الذي هو مثله؟ الكلام
صريح، ليس بتعريض ولا تلويح.
هذه هي الخطبة من حيث المقابلة بين الماضي والحاضر ومدح محمد علي
وهجو خلفه ولا نتعرض لما فيها من الغلو والكذب على التاريخ كزعم أن محمد
علي وفق بين المدنية العصرية والدين والإسلامي وغير ذلك فمحمد علي لم يكن
عالما ولا فيلسوفا وإنما كان أميا لا يعرف من علوم الدين ولا من علوم الدنيا شيئا.
وفي الخطبة أنه تعلم القرءاة بعد الأربعين. ولكنه لم يتعلم من العلم شيئا وحسبنا ما
تقدم في المنار من حقيقة أمره. نعم إننا لم ننكر أنه كان جنديا باسلا وشجاعا حازما
وبذلك تيسر له أن يكون قائدا لأولئك الشجعان الذين أباد بهم ثم أبادهم.
وبقى في الخطبة كلمتان لا بد من التنبيه عليهما. إحداهما ما جاء في الصفحة
(15) من أنه بقى في مصر من الاستقلال الذي أزاله الإنكليز قوة كبرى إليها
انتهت وتنتهي كل قوة في مصر وهي السلطة العالية التي استمدت وتستمد البلاد
منها كل نجاح وفلاح وهي عرش الخديوية الذي يمثل قوة مصر في ماضيها وآتيها.
فمن ذا الذي يستطيع أن يفهم هذا الكلام، بعد كل ما تقدم من الإيهام، وهل يصح
أن يسأل قائله عن رأيه في استعمال صاحب هذا العرش المتولي على هذه الأمة
الحية لهذه القوة الكامنة أولا؟ وثانيهما نصيحته في آخر الخطبة للمصريين أن