تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.65

﴿ يأيها النبى حرض المؤمنين على القتال ﴾ بالغ في حثهم عليه، وأصله الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت وقرىء «حرص» من الحرص. ﴿ إن يكن منكم عشرون صبرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا ﴾ شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله وتأييده. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تكن بالتاء في الآيتين ووافقهم البصريان في ﴿ وإن لم تكن منكم مائة ﴾. ﴿ بأنهم قوم لا يفقهون ﴾ بسبب أنهم جهلة بالله واليوم الآخر لا يثبتون ثبات المؤمنين رجاء الثواب وعوالي الدرجات قتلوا أو قتلوا ولا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان.

8.66-70

﴿ الئن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ﴾ لما أوجب على الواحد مقاومة العشرة والثبات لهم وثقل ذلك عليهم خفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين، وقيل كان فيهم قلة فأمروا بذلك ثم لما كثروا خفف عنهم، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد والضعف ضعف البدن. وقيل ضعف البصيرة وكانوا متفاوتين فيها، وفيه لغتان الفتح وهو قراءة عاصم وحمزة والضم وهو قراءة الباقين. ﴿ والله مع الصبرين ﴾ بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون.

﴿ ما كان لنبى ﴾ وقرىء «للنبي» على العهد. ﴿ أن يكون له أسرى ﴾ وقرأ البصريان بالتاء. ﴿ حتى يثخن في الأرض ﴾ يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الإسلام ويستولي أهله، من أثخنه المرض إذا أثقله وأصله الثخانة، وقرىء ﴿ يثخن ﴾ بالتشديد للمبالغة. ﴿ تريدون عرض الدنيا ﴾ حطامها بأخذكم الفداء. ﴿ والله يريد الأخرة ﴾ يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل ثواب الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه. وقرىء بجر " الآخرة " على إضمار المضاف كقوله:

أكل امرىء تحسبين امرأ

ونار توقد بالليل نارا

﴿ والله عزيز ﴾ يغلب أولياءه على أعدائه. ﴿ حكيم ﴾ يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها، كما أمر بالإثخان ومنع عن الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين. روي أنه عليه الصلاة والسلام أتى يوم بدر بسبعين أسيرا فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك، وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء، مكني من فلان لنسيب له ومكن عليا وحمزة من أخويهما فنضرب أعناقهم، فلم يهو ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال:

فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم

[إبراهيم: 36] ومثلك يا عمر مثل نوح قال:

رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا

[نوح: 26] فخير أصحابه فأخذوا الفداء، فنزلت فدخل عمر رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال: «يا رسول الله أخبرني فإن أجد بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال:

" ابك على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة قريبة "

والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه.

﴿ لولا كتب من الله سبق ﴾ لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ، وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده أو أن لا يعذب أهل بدر أو قوما بما لم يصرح لهم بالنهي عنه، أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم. ﴿ لمسكم ﴾ لنالكم. ﴿ فيما أخذتم ﴾ من الفداء. ﴿ عذاب عظيم ﴾ روي أنه عليه الصلاة والسلام قال:

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٤٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٤٨٩