8.25
﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ﴾ اتقوا ذنبا يعمكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم والمداهنة في الأمر بالمعروف وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد على أن قوله لا تصيبن إما جواب الأمر على معنى أن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله تعالى:
ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم
[النمل: 18] وأما صفة ل ﴿ لفتنة ﴾ ، ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم، أو لنهي على إرادة القول كقوله:
حتى إذا جن الظلام واختلط
جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط
وإما جواب قسم محذوف كقراءة من قرأ لتصيبن وإن اختلفا في المعنى، ويحتمل أن يكون نهيا بعد الأمر باتقاء الذنب عن التعرض للظلم لأن وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه، ومن في منكم على الوجه الأول للتبعيض وعلى الأخيرين للتبيين وفائدته التنبيه على أن الظلم منكم أقبح من غيركم. ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾.
8.26-30
﴿ واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون فى الأرض ﴾ أرض مكة يستضعفكم قريش، والخطاب للمهاجرين. وقيل للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم. ﴿ تخافون أن يتخطفكم الناس ﴾ كفار قريش أو من عداهم فإنهم كانوا جميعا معادين لهم مضادين لهم. ﴿ فآواكم ﴾ إلى المدينة، أو جعل لكم مأوى تتحصنون به عن أعاديكم. ﴿ وأيدكم بنصره ﴾ على الكفار أو بمظاهرة الأنصار، أو بإمداد الملائكة يوم بدر. ﴿ ورزقكم من الطيبات ﴾ من الغنائم. ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ هذه النعم.
﴿ يأيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول ﴾ بتعطيل الفرائض والسنن، أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون، أو بالغلول في المغانم. وروي: (أنه عليه الصلاة والسلام حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحاء بأرض الشام، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحا لهم لأن عياله وماله في أيديهم، فبعثه إليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد بن معاذ، فأشار إلى حلقه أنه الذبح، قال أبو لبابة: فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله، فنزلت. فشد نفسه على سارية في المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه فقيل له: قد تيب عليك فحل نفسك فقال: لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يحلني، فجاءه فحله بيده فقال إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي فقال عليه الصلاة والسلام
" يجزيك الثلث أن تتصدق به "
وأصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام، واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه. ﴿ وتخونوا أمنتكم ﴾ فيما بينكم وهو مجزوم بالعطف على الأول أو منصوب على الجواب بالواو. ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنكم تخونون، أو أنتم علماء تميزون الحسن من القبيح.
﴿ واعلموا أنما أمولكم وأولدكم فتنة ﴾ لأنهم سبب الوقوع في الإثم أو العقاب، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة. ﴿ وأن الله عنده أجر عظيم ﴾ لمن آثر رضا الله عليهم وراعى حدوده فيهم، فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه.
﴿ يأيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ﴾ هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل أو نصرا يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين، أو مخرجا من الشبهات، أو نجاة عما تحذرون في الدارين، أو ظهورا يشهر أمركم ويبث صيتكم من قولهم بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان أي الصبح.