تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8.14

﴿ ذلكم ﴾ الخطاب فيه مع الكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع أي: الأمر ذلكم أو ذلكم واقع أو نصب يفعل دل عليه. ﴿ فذوقوه ﴾ أو غيره مثل باشروا أو عليكم فتكون الفاء عاطفة. ﴿ وأن للكفرين عذاب النار ﴾ عطف على ذلكم أو نصب على المفعول معه، والمعنى ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم في الآخرة. ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على أن الكفر سبب العذاب الآجل أو الجمع بينهما. وقرىء ﴿ وأن ﴾ بالكسر على الاستئناف.

8.15

﴿ يأيها الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ﴾ كثيرا بحيث يرى لكثرتهم كأنهم يزحفون، وهو مصدر زحف الصبي إذا دب على مقعده قليلا قليلا، سمي به وجمع على زحوف وانتصابه على الحال. ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ بالانهزام فضلا أن يكونوا مثلكم أو أقل منكم، والأظهر أنها محكمة مخصوصة بقوله:

حرض المؤمنين على القتال

[الأنفال: 65] الآية، ويجوز أن ينتصب زحفا حالا من الفاعل والمفعول أي: إذا لقيتموهم متزحفين يدبون إليكم وتدبون إليهم فلا تنهزموا، أو من الفاعل وحده ويكون إشعارا بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم إثنا عشر ألفا.

8.16-20

﴿ ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال ﴾ يريد الكر بعد الفر وتغرير العدو، فإنه من مكايد الحرب. ﴿ أو متحيزا إلى فئة ﴾ أو منحازا إلى فئة أخرى من المسلمين على القرب ليستعين بهم، ومنهم من لم يعتبر القرب لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففروا إلى المدينة فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال:

" بل أنتم العكارون وأنا فئتكم "

وانتصاب متحرفا ومتحيزا على الحال وإلا لغو لا عمل لها، أو الاستثناء من المولين أي إلا رجلا متحرفا أو متحيزا، ووزن متحير متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوزا لأنه من حاز يحوز. ﴿ فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ﴾ هذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله:

الئن خفف الله عنكم

[الأنفال: 66] الآية، وقيل الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في الحرب.

﴿ فلم تقتلوهم ﴾ بقوتكم. ﴿ ولكن الله قتلهم ﴾ بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم. روي: أنه لما طلعت قريش من العقنقل قال عليه الصلاة والسلام: هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول كفا من الحصباء فرمى بها في وجوههم وقال «شاهت الوجوه»، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر فيقول الرجل قتلت وأسرت، فنزلت. والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. ﴿ وما رميت ﴾ يا محمد رميا توصله إلى أعينهم ولم تقدر عليه. ﴿ إذ رميت ﴾ أي إذ أتيت بصورة الرمي. ﴿ ولكن الله رمى ﴾ أتى بما هو غاية الرمي فأوصلها إلى أعينهم جميعا حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم، وقد عرفت أن اللفظ يطلق على المسمى وعلى ما هو كماله والمقصود منه. وقيل معناه ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم. وقيل إنه نزل في طعنة طعن بها أبي بن خلف يوم أحد ولم يخرج منه دم فجعل يخور حتى مات. أو رمية سهم رماه يوم خيبر نحو الحصن فأصاب كنانة بن أبي الحقيق على فراشه، والجمهور على الأول. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ ولكن ﴾ بالتخفيف ورفع ما بعده في الموضعين. ﴿ وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا ﴾ ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات فعل ما فعل. ﴿ إن الله سميع ﴾ لاستغاثتهم ودعائهم. ﴿ عليم ﴾ بنياتهم وأحوالهم.

﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى البلاء الحسن، أو القتل أو الرمي، ومحله الرفع أي المقصود أو الأمر ذلكم وقوله: ﴿ وأن الله موهن كيد الكفرين ﴾ معطوف عليه أي المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم.

انوار التنزيل واسرار التأويل · الصفحة ٤٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

انوار التنزيل واسرار التأويلص ٤٧٣