8.34
﴿ وما لهم ألا يعذبهم الله ﴾ وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك وكيف لا يعذبون. ﴿ وهم يصدون عن المسجد الحرام ﴾ وحالهم ذلك ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الهجرة وإحصارهم عام الحديبية. ﴿ وما كانوا أولياءه ﴾ مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهو رد لما كانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء. ﴿ إن أولياؤه إلا المتقون ﴾ من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره، وقيل الضميران ﴿ لله ﴾. ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أن لا ولاية لهم عليه كأنه نبه بالأكثر أن منهم من يعلم ويعاند، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم.
8.35-40
﴿ وما كان صلاتهم عند البيت ﴾ أي دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة، أو ما يضعون موضعها. ﴿ إلا مكاء ﴾ صفيرا فعال من مكا يمكو إذا صفر. وقرىء بالقصر كالبكا. ﴿ وتصدية ﴾ تصفيقا تفعله من الصدا، أو من الصد على إبدال أحد حرفي التضعيف بالياء. وقرىء ﴿ صلاتهم ﴾ بالنصب على أنه الخبر المقدم، ومساق الكلام لتقرير استحقاقهم العذاب أو عدم ولايتهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاته. روي: أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون. وقيل: كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي يخلطون عليه ويرون أنهم يصلون أيضا. ﴿ فذوقوا العذاب ﴾ يعني القتل والأسر يوم بدر، وقيل عذاب الآخرة واللام يحتمل أن تكون للعهد والمعهود: ﴿ ائتنا بعذاب ﴾. ﴿ بما كنتم تكفرون ﴾ اعتقادا وعملا.
﴿ إن الذين كفروا ينفقون أمولهم ليصدوا عن سبيل الله ﴾ نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا من قريش يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر، أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب، وأنفق عليهم أربعين أوقية. أو في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك منه ثأرنا ففعلوا، والمراد ب ﴿ سبيل الله ﴾ دينه واتباع رسوله. ﴿ فسينفقونها ﴾ بتمامها ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق بدر، والثاني إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل وهو إنفاق أحد، ويحتمل أن يراد بهما واحد على أن مساق الأول لبيان غرض الإنفاق ومساق الثاني لبيان عاقبته وإنه لم يقع بعد. ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ ندما وغما لفواتها من غير مقصود جعل ذاتها تصير حسرة وهي عاقبة إنفاقها مبالغة. ﴿ ثم يغلبون ﴾ آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالا قبل ذلك. ﴿ والذين كفروا ﴾ أي الذين ثبتوا على الكفر منهم إذا أسلم بعضهم. ﴿ إلى جهنم يحشرون ﴾ يساقون.
﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب ﴾ الكافر من المؤمن، أو الفساد من الصلاح. واللام متعلقة ب ﴿ يحشرون ﴾ أو ﴿ يغلبون ﴾ أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أنفقه المسلمون في نصرته، واللام متعلقة بقوله ﴿ ثم تكون عليهم حسرة ﴾ وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب ﴿ ليميز ﴾ من التمييز وهو أبلغ من الميز. ﴿ ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا ﴾ فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم، أو يضم إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه كمال الكانزين. ﴿ فيجعله فى جهنم ﴾ كله. ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى الخبيث لأنه مقدر بالفريق الخبيث أو إلى المنفقين.
﴿ هم الخسرون ﴾ الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم.
﴿ قل للذين كفروا ﴾ يعني أبا سفيان وأصحابه والمعنى قل لأجلهم. ﴿ إن ينتهوا ﴾ عن معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم بالدخول في الإسلام. ﴿ يغفر لهم ما قد سلف ﴾ من ذنوبهم، وقرىء بالتاء والكاف على أنه خاطبهم و ﴿ يغفر ﴾ على البناء للفاعل وهو الله تعالى. ﴿ وإن يعودوا ﴾ إلى قتاله. ﴿ فقد مضت سنت الأولين ﴾ الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك.