39.63
القرآن عربي نزل بلغات العرب المتداولة ساعة نزوله، ومع ذلك ففي القرآن كلمات وألفاظ فارسية أو حبشية أو رومية وهذه الألفاظ لا تخرجه عن كونه عربيا، لأنها دخلت لغة العرب قبل نزول القرآن واستعملها العربي وعرفها، وصارت جزءا من لغته. ومن هذه الكلمات مقاليد فلله ﴿ مقاليد السموت والأرض ﴾ [الزمر: 63] وهي جمع مقلاد على وزن مفتاح، أو جمع مقليد، وفي لغة أخرى يقولون أقاليد جمع إقليد. ومعناها التملك والتصرف والحفظ والصيانة، فلله تعالى ملك السماوات والأرض، وله مطلق التصرف في أمورهما، وله سبحانه حفظهما وتدبير شئونهما. وهذه هي القيومية التي لله تعالى ليظل كل شيء من خلقه في مهمته، فالحق سبحانه خلق من عدم، وأمد من عدم، وشرع الشرائع، وسن القوانين، ثم لم يترك الخلق هكذا يسير بهذه القوانين كما يدعي البعض، إنما هو سبحانه قائم على خلقه قيوم عليهم، لا يغفل عنهم لحظة واحدة، واقرأ:
إن الله يمسك السموت والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده..
[فاطر: 41]. ولو أن الكون يسير بالقوانين التي خلقها الله فيه - كما يقول الفلاسفة - لكانت الأمور تستقر على شيء واحد لا يتغير، بمعنى أن يظل الصحيح صحيحا، ويظل العزيز عزيزا، والغني غنيا.. إلخ لكن الأمر غير ذلك، لأن لله في خلقه قيومية وتصرفا. وقد سأل سيدنا عثمان - رضي الله عنه - سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مقاليد السماوات والأرض، فقال:
" يا ابن عفان، ما سألني أحد قبلك عنها، مقاليد السماوات والأرض هي: لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، وأستغفر الله العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، بيده الخير يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. تلك مقاليد السماوات والأرض ".
هكذا فسر رسول الله كلمة مقاليد السماوات والأرض بأنها كلمات ذكر، كأن الكون كله قائم بهذه الكلمات العقائدية. فكلمة لا إله إلا الله تعني أن الله واحد لا شريك له، فإذا قضى أمرا لا يعارضه معارض، ولا يعترض عليه معترض، إن أعطى لا أحد يمنع عطاءه، وإن منع فلا معطي لما منع لذلك يقول سبحانه:
إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له
[الحج: 73] بل ما هو أيسر من عملية الخلق
وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه
[الحج: 73] وهل تستطيع أن تسترد من الذبابة ما أخذته من العسل مثلا إن وقعت عليه
ضعف الطالب والمطلوب
[الحج: 73]. لذلك هذه الكلمة لا إله إلا الله قالها الحق سبحانه أولا وشهد بها لنفسه سبحانه شهادة الذات للذات، وهذه الشهادة تعني أنه لا يتأبى على الله شيء من الخلق أبدا لذلك يقول للشيء: كن فيكون.
ثم شهدت بذلك الملائكة شهادة المشاهدة، ثم شهد بها أولو العلم شهادة استدلال، قال تعالى:
شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط
[آل عمران: 18] فكلمة لا إله إلا الله مقلاد من المقاليد التي لله تعالى. كذلك كلمة الله أكبر من مقاليد السماوات والأرض، وسبق أن بينا أن كلمة الله أكبر هي شعارنا في النداء للصلاة، مع أن أكبر ليس من أسمائه تعالى إنما من أسمائه تعالى الكبير، فلماذا لم يستخدم الاسم واستخدم في النداء للصلاة الصفة أكبر. قلنا: إنها أفعل تفضيل من كبير لأن ربك حين يستدعيك للصلاة يخرجك من عمل الدنيا، هذا العمل ليس أمرا هينا ولا تافها إنما هو عظيم وكبير، لأن به تقوم أمور الدنيا، وبه تستعين على أمور الدين، فهو وإن كان كبيرا فالله أكبر، فاترك العمل إلى الصلاة، أما الاسم الكبير لأن ما سواه صغير. وكلمة سبحان والله وبحمده من مقاليد السماوات والأرض، لأنك ستتعرض لأمور هي فوق إدراكك ولا يقدر عليها إلا الله، فإياك أن تقف أمامها لتقول: كيف؟ إنما حين ينسب الفعل إلى الله فقل سبحان الله، وهذه المسألة أوضحناها في قصة الإسراء لذلك بدأت بهذه الكلمة