تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.20

قلنا: إن من سمات الأسلوب القرآني أن يذكر المتقابلات، فالضد يظهر حسنه الضد، كما في قوله سبحانه:

إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم

[الانفطار: 13-14]. وهنا بعد أن ذكر الحق سبحانه الكافرين الذين حقت عليهم كلمة العذاب يذكر المقابل لهم، وهم المتقون ﴿ لكن ﴾ استدراك على ما تقدم ﴿ الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار.. ﴾ [الزمر: 20] وهذه المقابلة تهيء النفس لتفظيع المقابل الأسوأ، وتجميل المقابل الأعلى. والغرف جمع غرفة، وهي المكان الخاص المقتضب من البيت، وهي مأخوذة من غرفة الماء ﴿ لهم غرف من فوقها غرف.. ﴾ [الزمر: 20] ثم وصف التي فوق بأنها ﴿ مبنية.. ﴾ [الزمر: 20] لأن العادة في الغرفة السفلية أن يعتنى بها في الأساس، الذي يحمل باقي الأدوار، فأراد أن يلفت أنظارنا إلى أن الغرف الفوقية هي أيضا مبنية معتنى بها، لا تقل ميزة عن الغرف السفلية، فكل الغرف من الأدنى إلى الأعلى مميزة. ثم تأمل الإعجاز في قوله تعالى: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ [الزمر: 20] من تحت أيهما؟ من تحت الاثنين، فإن قلت كيف؟ نقول: اقرأ قوله صلى الله عليه وسلم في وصف الجنة:

" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ".

وفي موضع آخر قال سبحانه: ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ [التوبة: 72] وفرق بين تحتها ومن تحتها، لو قلنا تجري تحتها الأنهار، فالمعنى أن الأنهار تأتي من مكان آخر وتمر بها، فيمكن للأعلى أن يحجب الماء عن الأدنى. أما ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ [الزمر: 20] فنبع الماء يجري من تحت هذه الغرف، فماؤها ذاتي فيها، ليس لها مدد من خارجها، إذن: فالمياه فيها ذاتية. فأنت تتعجب لأنك تقيس المسائل بهندستك أنت، ولربك سبحانه هندسة أخرى، تأتي على غير ما تتصور لأن الشيء الذي لم تره العين ولم تسمعه الأذن، ولم يخطر على القلب ليس في اللغة ما يدل عليه، فالمعاني توجد أولا، ثم توضع لها الألفاظ الدالة عليها، فإذا لم توجد المعاني فمن أين يأتي اللفظ؟ نحن نعرف الآن مثلا التليفزيون، ونعرف ما هو لكن قبل أن يخترع هل كنا نعرفه أو نعرف اسمه؟ لذلك سبق أن قلنا: إن الذي يقول الله غير موجود - والعياذ بالله - نقول له: كلامك مردود بكلامك، لأن الله مبتدأ وغير موجود خبر، فمن أين عرفت كلمة الله إن كان الله غير موجود؟ إذن: قولك: الله غير موجود دليل على أنه موجود، لأن المعدوم لا لفظ له، فالذي لا تسمعه الأذن، ولا تراه العين، ولا يخطر على البال ليس له اسم.

لذلك لما يصف لنا ربنا الجنة يقول:

مثل الجنة التي وعد المتقون..

[محمد: 15] يعني: يعطينا مثلا لها وليست هي، لأن لغتكم ليس بها الألفاظ التي تعبر عن هذه المعاني التي في الجنة، ومع ذلك ساعة يعطينا المثل ينفي منه ما يناقض الموجود في الدنيا، فحين يصف خمر الآخرة يقول:

لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون

[الصافات: 47]. يعني: لا تغتال العقل ولا تستره كما تستره خمر الدنيا، ففي الإنسان غدة مسئولة عن توازنه، فحين يشرب الخمر تتسلط الخمر على هذه الغدة فتفقده توازنه وتستر عقله، فيتمايل هنا وهناك، ويهذي بكلام لا يعرف معناه. وليست كذلك خمر الآخرة، خمر الآخرة تعطيك اللذة والمسرة دون أن تغتال العقل

ولا هم عنها ينزفون

[الصافات: 47] النزف والنزح بمعنى واحد، تقول: نزحت البئر يعني: أخرجت ما فيه من الماء، فالنزف إخراج ما في الجوف. والإنسان في تكوينه الصحي السليم يؤدي جسمه عملية نسميها عملية الإخراج مثل صماخ الأذن والعرق والبول، وهذا الإخراج فيه سلامة وفيه صحة الجسم. لكن هناك إخراج بلا سلامة، كالذي يأكل ثم يتقيأ ما أكل، وقد يتقيأ من جارحة نفسه دما والعياذ بالله، وقد يخرج منه البول باستمرار كمن يعاني من سلس البول مثلا، ومن ذلك النزف ما يحدث لشارب الخمر فينزف ما في بطنه. كذلك في الدنيا ماء، وفي الآخرة ماء، وفي الدنيا لبن، وفي الآخرة لبن، لكن شتان بين ماء الآخرة وماء الدنيا، وبين لبن الآخرة ولبن الدنيا، يقول تعالى في بيان ذلك:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٦٤