تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.32-33

الاستفهام في ﴿ فمن أظلم ﴾ [الزمر: 32] يحمل معنى التعجب والإنكار يعني: لا أحد أظلم من هذا الذي يكذب على الله، فلو كذب على غير الله لكان منكرا، فما بالك وقد كذب على الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ويعلم حقائق الأشياء سرها وعلانيتها. إذن: فالكذب على الله خيبة، وإن كنت ولا بد ستكذب فاكذب على إنسان مثلك هو أيضا عرضة لأن يكذب. لذلك جاء لفظ ﴿ أظلم ﴾ على وزن أفعل التي تدل على المبالغة، لأن أفظع الظلم وأعظمه أن تكذب على الله، لكن من ظلم؟ أظلم من يكذب عليه أم ظلم نفسه؟ بل ظلم نفسه. ولم يقف الأمر عند هذا بل ﴿ وكذب بالصدق إذ جآءه ﴾ [الزمر: 32] لأن التكذيب بالصدق ينقل القضايا إلى نقيضها، والشيء الصدق هو الذي لا يقال لقائله كذبت، لأنه إخبار بأحداث يصدقها الواقع وسبق أن قلنا: إن النسبة الكلامية إذا وافقت نسبة الواقع كان الكلام صادقا، وإذا خالفت الواقع كان كاذبا. ثم يستفهم الحق - سبحانه وتعالى - وهو أعلم: ﴿ أليس في جهنم مثوى للكافرين ﴾ [الزمر: 32] يعني: ما ظن هؤلاء الذي يكذبون على الله ويكذبون بالصدق، ألم يعلموا هذه الحقيقة وهي أن جهنم مثوى للكافرين المكذبين، لو كانت هذه الحقيقة في بالهم ما اجترأوا على الله، إنما هم كاذبون يقولون غير الواقع ولا يؤمنون به. وبعد ذلك ينتقل إلى خصوصية الصادق ﴿ والذي جآء بالصدق ﴾ [الزمر: 33] وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي تلقى عن ربه وبلغ أمته، وقد أكد الله تعالى صدق رسوله في مواضع كثيرة، منها:

ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين

[الحاقة: 44-47]. إذن: مسألة الكذب على الله مسألة لا يحابي فيها أحد حتى الرسل، لذلك جاء بلاغه صلى الله عليه وسلم عن ربه دقيقا، فتراه لا يبلغ مضمون المقولات، إنما يبلغ المقولات ذاتها، واقرأ قوله تعالى:

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] فكان بإمكانه صلى الله عليه وسلم أن يقول لقومه: الله أحد. وبذلك يكون قد بلغ المراد من الآية إنما قال كما جاءه من ربه

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] فذكر الأمر بأن يقول قل. والعجيب أن يطلع علينا من يقول بحذف مثل هذه الكلمة بحجة أنها لا تضيف جديدا للمعنى، ونقول: هذا ليس كلام بشر، بل هو كلام الله وقرآنه، وقد حفظه الله بنفسه وبلغه رسوله كما تلقاه عن ربه. أرأيت لو أرسلت ابنك ليبلغ عنك قضية مثلا وقلت له: اذهب إلى فلان وقل له كذا وكذا، وبإمكان الولد أن يبلغ مضمون القضية، لكنه حين يقول: أبي قال لي قل لفلان كذا وكذا، فهذا يعني أنه يؤكد الكلام ويهتم بالرسالة كما تلقاها، إذن: لو حذفت كلمة قل فقد حذفت كلمة من القرآن، لا كلمة زائدة عليه.

وقوله: ﴿ وصدق به ﴾ [الزمر: 33] أي: صدق بالصدق الذي جاء به، صدق هو أولا ولم ينتظر منا أن نصدق نحن أو نشهد بذلك، لقد أخذ الرسول عن ربه أنه إله واحد لا شريك له فشهد بذلك أولا وصدق، كذلك الحق سبحانه لم ينتظر شهادة العباد بوحدانيته إنما شهد بها لنفسه أولا، فقال سبحانه:

شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم

[آل عمران: 18] وبعد أن شهد الله لنفسه بالوحدانية وجب على الرسول أيضا أن يشهد بأن محمدا رسول الله، إذن: جاء بالصدق وصدق هو به وقال هو عن نفسه: أشهد أن محمدا رسول الله. كذلك شهد الملائكة بهذه الوحدانية، وشهد بها أولو العلم شهادة الحجة والدليل والبرهان. وقالوا: ﴿ والذي جآء بالصدق ﴾ [الزمر: 33] هو رسول الله ﴿ وصدق به ﴾ [الزمر: 33] أي: الذين صدقوا رسول الله في أول بلاغ له عن ربه، سواء أكان أبا بكر رضي الله عنه أم السيدة خديجة رضي الله عنها، وقد اختلفوا في هذه المسألة: أهو أبو بكر أم خديجة؟ وليس في المسألة خلاف. فإذا قيل: أول من آمن من الرجال نقول أبو بكر. ومن النساء: خديجة. والواقع أن السيدة خديجة آمنت برسول الله وصدقته في أول الأمر، وربما قبل أن يبلغ أبا بكر الخبر، وتعلمون موقفها من رسول الله حين جاءه الوحي، وأنها ذهبت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، فقال: إنه نبي هذه الأمة، ولكي يؤكد لها هذه القضية قال: وإن يدركني يومك لأنصرنك نصرا مؤزرا، ليتني أكون حيا يوم يخرجك قومك، قال: أو مخرجي هم؟ قال: ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي ولتخرجن. أما الصديق أبو بكر فلما أخبروه أن صاحبك يزعم أنه رسول قال: إن كان قال فقد صدق، إذن: كيف صدق أبو بكر وهو لم ير من رسول الله معجزة تدل على رسالته؟ قالوا: ليست المعجزة عياقة لا يؤمن الناس إلا بها، إنما المعجزة جعلت لمن يكابر في التصديق لذلك جاءت معجزة القرآن تحديا للكافرين والمعاندين المكذبين، أما من آمن برسول الله أولا فلا يحتاج إلى معجزة، وأي معجزة جعلت أبا بكر يؤمن ويصدق برسول الله بهذه السرعة؟ قالوا: لأنه لم يجرب على رسول الله كذبا أبدا قبل ذلك، فإذا كان صادقا في أموره مع الناس أيكذب على الله؟ إذن: أخذ أبو بكر المعجزة من تاريخه مع رسول الله، وكذلك السيدة خديجة بدليل أنها هي التي شجعته وآزرته وقالت:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٧٩