تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.61

هذا هو المقابل، فالكافرون مثواهم وإقامتهم في جهنم، أما المؤمنون فينجيهم ربهم ﴿ بمفازتهم ﴾ [الزمر: 61] أي: بفوزهم ونيلهم لمرادهم. ونعيم الآخرة ينال بشكلين: إما أن يدخل المؤمن الجنة بداية، وإما أن يكون من أهل النار لكن تتداركه رحمة الله فيزحزح عنها إلى الجنة. كما قال سبحانه:

فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز

[آل عمران: 185] نعم فاز الفوز الأكبر لذلك يسمون الصحارى مفازة مع أنها مهلكة ينقطع فيها السائر، لكن سموها مفازة تيمنا أن ينجو سالكها، وكما يسمون اللديغ من الثعبان أو الحية يسمونه السليم، أملا في أن يسلم من لدغتها. وإذا ما نجاهم الله وكتب لهم الفوز فقد سلموا من مجرد مس العذاب ﴿ لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ [الزمر: 61] لأن كل المشاهد التي يرونها تفرحهم، ولا شيء يحزنهم أبدا، كما قال سبحانه في موضع آخر:

لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون

[الأنبياء: 103].

39.62

بعد أن ذكر الحق سبحانه وعده ووعيده وبين عاقبة الكافرين وعاقبة المؤمنين عاد إلى قضية عقدية أخرى ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ [الزمر: 62] وكأنه يقول: ما الذي صرفهم عن أن يؤمنوا بالله الإله الحق، وهو سبحانه خالق كل شيء؟ بعضهم أخذ هذه الآية ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ [الزمر: 62] ونسب كل الأفعال إلى الله، فالله في نظرهم خالق كل شيء، خالق الإيمان وخالق الكفر، وخالق الطاعة وخالق المعصية، وبالتالي قالوا: فلم يعذب صاحبها؟ نقول: هناك من يتعصب لقدرة الحق فيقول: كل شيء بقدرته تعالى، وهناك من يتعصب للعدالة فيقول: إن الإنسان هو الذي يفعل وهو الذي يسعى لنفسه، لذلك يثاب على الطاعة ويعاقب على المعصية، وهذا خلاف ما كان ينبغي أن يوجد بين علماء لأن الطاعة أو المعصية فعل، والفعل ما هو؟ الفعل أداء جارحة من الجسم لمهمتها. فالعين ترى، لكن الخالق سبحانه وضع للرؤية قانونا، وجعل لها حدودا، فالعين ترى ما أحل لها وتغض عما حرم عليها، كذلك الأذن واليد والرجل واللسان.. إلخ فإن وافقت في الفعل أمر الشرع فهو طاعة، وإن خالفت أمر الشرع فهي معصية. فمثلا الرجل الذي يرفع يده ويضرب غيره، بالله هل هو الذي جعل جارحته تفعل أم أنه وجه الجارحة لما تصلح له؟ إنه مجرد موجه للجارحة، وإلا فهو لم يخلق فيها الفعل، بدليل أنه لا يعرف العضلات التي تحركت فيه، والأعصاب التي شاركت في هذه الضربة. إذن: نقول إن الفعل شيء، وتوجيه الجارحة إلى الفعل شيء آخر، فالفعل كله مخلوق لله، فهو سبحانه الذي أقدر الأيدي أن تضرب، وهو الذي أقدرها أن تمتد بالخير للآخرين، الخالق سبحانه هو الذي أقدر لسان المؤمن أن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأقدر لسان الكافر أن ينطق بكلمة الكفر والعياذ بالله، العين في استطاعتك أن تنظر بها إلى الحلال، وفي استطاعتك أن تنظر بها إلى الحرام. إذن: أقدر الله كل جارحة على المهمة التي تؤديها، فإن كانت هذه المهمة موافقة للشرع فهي طاعة، وإن كانت غير موافقة له فهي معصية، وعليه نقول: إن الله تعالى هو خالق الفعل على الحقيقة. إذن: ما فعل العبد في المعصية حتى يعاقب عليها؟ وما فعله في الطاعة حتى يثاب عليها؟ إن فعل العبد ودوره هنا هو توجيه الطاقة التي خلقها الله فيه، هذه الطاقة التي جعلها الله صالحة لأن تفعل الشيء وضده، فالقدرة على الفعل ليست من عندك، إنما من عند الله، وعليك أنت توجيه الطاقة الفاعلة. فمن نظر إلى الفعل فالفعل كله لله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ [الزمر: 62] ومن نظر إلى التوجيه والاختيار فهو للعبد لذلك نقول: إن العاصي لم يعص غصبا عن الله، والكافر لم يكفر بعيدا عن علم الله وإرادته، لأن الحق سبحانه لو شاء لجعل الناس جميعا أمة واحدة على الطاعة والإيمان، لكن ترك لهم الاختيار وتوجيه الأفعال ليرى سبحانه - وهو أعلم بعباده - من يأتيه طواعية وباختياره.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١١٣