39.54
الإنابة: هي التوبة والرجوع إلى ساحة الإيمان بالله إلها واحدا لا شريك له. والإسلام: أن تنفذ مطلوب الله منك في الأمر والنهي بافعل ولا تفعل. لكن هل تعني الإنابة أنهم كانوا مع الله ثم انصرفوا عنه إلى الكفر، فيطلب منهم العودة والرجوع إلى ساحة الإيمان مرة أخرى؟ نقول: لا بل معنى الإنابة هنا الرجوع إلى العهد الأول الذي أخذه الله على عباده وهم في عالم الذر، وهم في ظهر آدم عليه السلام، هذا العهد الذي قال الله فيه:
وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين
[الأعراف: 172]. فالمعنى ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾ [الزمر: 54] ارجعوا إلى إيمانكم به الإيمان الفطري الذي أخذ عليكم العهد به. هذا الإيمان الفطري هو الذي يصحب الإنسان فيستيقظ ضميره بعد المعصية فيتوب أو بعد الكفر فيؤمن، هذا الإيمان الفطري المستقر في قرار النفس البشرية هو الذي ينبهها إن غفلت، هذا الإيمان هو الذي نبه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما، فآمنوا حينما رجعوا إلى العهد الأول والإيمان الفطري. ﴿ من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون ﴾ [الزمر: 54] ما معنى النصرة هنا والكلام عن الآخرة؟ أي: لا يتناصر أهل الباطل ولا يدافع أحد منهم عن الآخر لا التابع ولا المتبوع، كما قال سبحانه في موضع آخر:
ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين * قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين
[الصافات: 25-30]. نعم، لا يتناصرون لأن الموقف هنا موقف خصومة ولوم، حيث يلقي كل منهم التبعة على الآخر، ويتبرأ كل منهم من الآخر لذلك قال سبحانه:
الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين
[الزخرف: 67].