تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.10

التقوى أن تحترز من المعاصي، وأن تجعل بينك وبين صفات الجلال من الله وقاية، فالله جبار قهار ذو انتقام، فاجعل بينك وبين هذه الصفات وقاية تحميك. وقوله ﴿ الذين آمنوا ﴾ [الزمر: 10] للعقائد ﴿ اتقوا ربكم ﴾ [الزمر: 10] أي: في التكاليف ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ﴾ [الزمر: 10] أي: حسنة في الآخرة، فلم يقل: للذين أحسنوا حسنة في هذه الدنيا لأن الكفار يتمتعون في الدنيا بحسنات كثيرة من المال والجاه والعلم.. الخ. فإن فسرنا الحسنة على أنها النعيم، فالنعيم الذي يكون سببا في صرف الإنسان عن ربه لا يعد حسنة إنما سيئة، إذن: فالحسنة المرادة هنا في الآخرة ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ [الزمر: 10] لكن ما علاقة ﴿ وأرض الله واسعة.. ﴾ [الزمر: 10] بقوله ﴿ اتقوا ربكم ﴾ [الزمر: 10]. قالوا: يعني: إن صادفت متاعب في أرضك التي تعيش فيها، فإن أرض الله واسعة، فالتمس حماية نفسك ودينك في أرض أخرى، كما قال سبحانه:

ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرغما كثيرا وسعة

[النساء: 100]. وقال في نفس المعنى:

إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها..

[النساء: 97]. إذن: حين تضيق بك أرضك، وحين يضيق عليك الخناق بها، فالتمس أرضا أخرى تأمن فيها على نفسك وعلى دينك، وعلى تطبيق منهج الله دون معاند، ودون معارض. ولو تنبهنا إلى آية في سورة الرحمن لوجدنا فيها حلا لكل مشاكل الدنيا المعاصرة، هي قوله تعالى:

والأرض وضعها للأنام

[الرحمن: 10]. يعني: جعل الأرض كل الأرض دون تحديد تحت تصرف كل الأنام دون تحديد أيضا، فكل إنسان له في أرض الله نصيب، فإذا ضاق به مكان فله حق في مكان آخر. لكن قوانين البشر ومصالحهم غيرت هذه الصورة، ووضعت العقبات والعراقيل والإجراءات المعقدة في طريق هذه الحرية التي كفلها الخالق سبحانه للحركة على أرضه. لذلك وجدنا أن مشكلة العالم الاقتصادية تكمن في وجود أرض بلا رجال، أو رجال بلا أرض، ولو تركنا الأرض لله كما خلقها الله لعباده، لو جعلنا الأرض كل الأرض للأنام كل الأنام لقضينا على كل مشاكل الدنيا. وانظر مثلا إلى السودان جارتنا من الجنوب، بها ملايين الأفدنة لا يستفاد منها، وعندنا في مصر ملايين من الأيدي العاملة العاطلة، ولولا الحدود التي قيدنا أنفسنا بها لحلت السودان مشكلة الغذاء في العالم العربي كله. بل والأدهى من ذلك والأمر أن نختلف على الحدود، ونتزاحم على شبر واحد، وتنشب الحروب والأزمات بين الدول بسبب هذه المسألة، إنها النتيجة الطبيعية لمخالفة أمر الله وسنته في الخلق. ثم يقول سبحانه: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ [الزمر: 10] الحث على الصبر بعد قوله ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ [الزمر: 10] دل على أنه لا بد أن توجد في الحياة صعاب ومشاكل ومتاعب تحتاج إلى صبر، والشاعر يقول:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها

ولكن أخلاق الرجال تضيق

فالحق سبحانه يريد منا أن نتحمل منهج الله، وأن نقوم به لنسعد أنفسنا، ثم نتسامى في الإيمان، ونحاول أن نسعد غيرنا ليحدث استطراق للخير في المجتمع لذلك قال صلى الله عليه وسلم:

" نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ".

إذن: فنقل الخير إلى الغير فيه خير لك أنت، وسوف يعود عليك نفعه، لأنه حين تحجب علم الخير عن الغير سيكون هذا الغير في شر، وسوف يتعبك هذا الشر وينالك شيء منه، فمن مصلحتك أنت أن يعم الخير الآخرين، ومن مصلحتك أن يكون غيرك خيرا، لا يسرق ولا يسب ولا يخون، ولا يتعدى على الآخرين، فنقل علم الخير إلى الغير مفيد لناقله، ليكف شر ذي الشر عنه على الأقل. والصابر هو الذي يصبر على الشدائد والمحن التي تخرجه عن: سلامة الجوارح، وسلامة المال، وسلامة الأهل، والصابر واثق بأن إيلامه وإيذاءه يعطيه خيرا من النعيم الذي فقده قبل الإيلام والإيذاء، لأن الله قال: ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ [الزمر: 10]. وإذا كانت التكاليف لها حساب عند الله، فالصلاة لها حساب، والزكاة لها حساب.. إلخ أما الصبر فإن أجره بغير حساب يعني: غير معلوم، حتى قالوا أنه في الجنة حين يرون منازل لم يكن أهلها معروفين بالعمل الصالح، ومع ذلك منازلهم في الجنة عالية، فلما سألوا عن ذلك قالوا: إنهم كانوا من أهل الصبر على البلاء وعلى الشدائد والمحن، فنالوا هذه المنزلة بصبرهم. والصبر عدم تشكيك في رحمة الله، وعدم اعتراض على حكمه وقضائه، فمثلا نرى بعض أهل البلاء يعرضون آفاتهم وبلواهم على المجتمع في موسم الحج، فبعض هؤلاء يذهب للحج وهناك يكشف بلواه أمام الناس، ويظهر عاهته في رجله أو في يده يستجدي بها الخلق، وكأنه يشكو الخالق لخلقه، ولو أنه ستر بلاءه ورضي به لطرق الرزق بابه، ولساقه الله إليه دون جهد. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٥٤