39.27-28
حينما نتتبع لفظ مثل في القرآن الكريم نجده مرة بصيغة مثل، وهي تفيد تشبيه شيء بشيء مفرد كما تقول: زيد في شجاعته مثل الأسد، الرجل في كرمه مثل الغيث، ومن ذلك قوله تعالى:
فأتوا بسورة من مثله..
[البقرة: 23] وهي تفيد تشبيه صورة منتزعة أو مكونة من عدة أشياء بصورة أخرى مكونة من عدة أشياء يعني: تشبيه حالة بحالة. ومن المثل في القرآن مثل الحياة الدنيا في قوله تعالى:
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا
[الكهف: 45]. فالحياة الدنيا ليست تشبه الماء وحده، إنما ماء نزل من السماء واختلط بتراب الأرض فأخرج النبات لكن سرعان ما يهيج ثم يصفر ثم يجف ويتفتت، حتى يصير هشيما تذروه الرياح، كذلك حياة الإنسان في الدنيا، تزهو لك الحياة ثم تنتهي بالموت، هذه صورة تمثيلية مكونة من عدة أمور تشبه عدة أمور أخرى، وما دامت الدنيا على هذه الصورة فاحذروها، ولا تركنوا إليها ولا تغتروا بها. ومن الصور التمثيلية في القرآن أيضا قوله تعالى في الذين حملوا التوراة، ثم لم يستفيدوا منها:
مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا..
[الجمعة: 5]. فهؤلاء ليسوا كالحمار وحده، بل كالحمار الذي يحمل الكتب، ولكنه لا يفهمها، والحمار ليست مهمته أن يفهم إنما مهمته أن يحمل، أما هؤلاء فمهمتهم أن يحملوا وأن يفهموا ما حملوه، وبذلك تميز الحمار عنهم. ومن ذلك قوله سبحانه وتعالى:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه..
[الفتح: 29]. تأمل هذا المثل، تجد الحق سبحانه مثل محمدا وصحبه في التوراة بمثل معنوي عبادي، لأن اليهود تغلب عليهم الماديات، وجاء بمثل مادي في الإنجيل لأن الإنجيل ليس فيه إلا روحانيات، فلما طغت المادية على اليهود ذكر لهم المثل المعنوي، ولما طغت الروحانيات على النصارى جاء لهم بمثل مادي، فكان ولا بد أن يجيء الإسلام وسطا يراوح بين الماديات والروحانيات. وقوله سبحانه: ﴿ ولقد ضربنا.. ﴾ [الزمر: 27] الضرب قلنا: هو إيقاع شيء فوق شيء بقوة وشدة ليحدث فيه أثرا، ومن ذلك الضرب في الأرض أي: حرثها والاعتناء بها لتعطيك من خيرها، وضرب المثل يكون لأنه في ظاهره غريب، فنقول لك: لا تستغربه فهو مثل كذا وكذا فيتضح المقال ويزول الاستغراب، والمثل يشبه المختلف فيه بالمتفق عليه. كما في المثل السابق
محمد رسول الله والذين معه..
[الفتح: 29]. ومادة مثل في القرآن الكريم وردت إحدى وأربعين مرة بلفظ مثل، واثنتين وعشرين مرة بلفظ مثلا، وثلاث مرات بلفظ مثلهم. ومن طريف الصور التمثيلية قول الشاعر يصف رجلا أحدب، ويصوره لك كأنك تراه بالفعل:
قصرت أخادعه وغاص قذاله
فكأنه متربص أن يصفعا
وكأنما صفعت قفاه مرة
فأحس ثانية لها فتجمعا
وقوله تعالى: ﴿ من كل مثل.. ﴾ [الزمر: 27] يفيد العموم، يعني: لونا لهم الأمثال لنبين لهم قواعد الدين بما يشاهدونه من الماديات ﴿ لعلهم يتذكرون ﴾ [الزمر: 27] يعني: يتأملون هذه الأمثال، ويضعون كل مثل مقابل مثاله، وليأخذوا من المشاهد دليلا على ما غاب، ومن المتفق عليه دليلا على المختلف فيه. وقوله سبحانه: ﴿ قرآنا عربيا غير ذي عوج.. ﴾ [الزمر: 28] أي: أن هذه الأمثال جاءت قرآنا عربيا مبينا واضحا لا عوج فيه، وهو كتاب يقرأ ويكتب وتتكرر تلاوته في العبادة، وهو محفوظ لا يناله تحريف أو تبديل والذي يحفظه قائله سبحانه، إذن: فهذه الأمثال باقية ببقاء القرآن خالدة بخلوده ستظل أمامكم تفيدون منها، كلما عرضت لكم قضايا الحياة وجدتم الحل لها. وقوله: ﴿ غير ذي عوج.. ﴾ [الزمر: 28] ليس مائلا إلى جهة من الجهات، بل هو مستقيم، لأنه التشريع الحق من الله الذي لا يحابي أحدا ولا يجامل أحدا حتى رسله، واقرأ قوله سبحانه لنبيه وخير رسله محمد