تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.2-3

الحق هو الأمر الثابت الذي لا تأتي أغيار الزمن فتنقضه، وما دام الحق ثابتا لا يتغير فلا يغرنك علو الباطل إن علا يوما من الأيام لأن علو الباطل من ثبات الحق، فالباطل حين يعلو يعض الناس، ويشقى به الخلق، ويكتوون بناره، وعندها يتطلعون للحق ويتشوقون إليه. فكأن الباطل جندي من جنود الحق، والكفر جندي من جنود الإيمان. فالله تعالى لا يسلم الحق أبدا، ولكن يتركه فترة حتى يعلو الباطل عليه ليبلو غيرة الناس عليه، فإذا لم يغاروا عليه غار هو عليه. ﴿ فاعبد الله ﴾ [الزمر: 2] يعني: ما دمنا قد أنزلنا إليك الكتاب بالحق فانظر ماذا في الكتاب، فيه منهج افعل كذا ولا تفعل كذا، فيه تكليف للجوارح، ولابد أن يسبق العمل بالتكليف اقتناع القلب بالمكلف والإيمان به. فأنت حين تقف أمام قضية صعبة تعجز عن التفكير فيها، أو أخذ قرار تذهب إلى من شهد له بالحكمة أو العلم والرأي ليفكر لك ويعينك على أمرك، فمثل هذا الرجل تأتمنه وتسلم له زمام أمرك لأن رأيه يصلحك. إذن: لا بد قبل العمل بافعل ولا تفعل أن تثق وتتيقن بمن كلفك، وهذا هو الإيمان الذي ينبغي أن يسبق العمل. لذلك نقول: لا ينفع إيمان بلا عمل ولا عمل بلا إيمان، واقرأ قول الله تعالى:

قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم

[الحجرات: 14]. لذلك قال تعالى: ﴿ فاعبد الله مخلصا له الدين ﴾ [الزمر: 2] فشرط العبادة الإخلاص، والعبادة تعني طاعة العابد لأمر معبوده ونهيه، وهذا التحديد لمعنى العبادة يبطل عبادة كل ما سوى الله تعالى، فالذين عبدوا غير الله من شمس أو قمر أو نجوم أو أشجار أو أحجار عبدوا آلهة - كما يزعمون - بلا منهج وبلا تكاليف. إذن: فكلمة العبادة هنا خطأ وهي باطلة، فماذا قالت لهم هذه الآلهة؟ بم أمرتهم وعم نهتهم؟ ماذا أعدت هذه الآلهة لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن كفر بها؟ فأول ما يبطل عبادة غير الله أنها آلهة بلا منهج وبلا تكاليف. أما الذين قالوا: ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3] فالله سبحانه نهى عن هذه الزلفى، ونهى أن يكون بينه وبين عباده واسطة أو وسيلة. ثم إن الحق سبحانه أراد أن ينبه الخلق إلى بديع صنعه، وإلى هذا الكون المكتمل، وهذه الهندسة الدقيقة في كل جزئياته، وأن هذا الكون فيه كل مقومات الحياة وكل الأنواع الواهبة للخير، فهل ادعاه أحد لنفسه؟ هل قال أحد: إني خلقت هذا الكون مع كثرة الملحدين والمنكرين لوجود الله؟ لم يحدث أبدا شيء من هذا. إذن: الدعوة تثبت لمدعيها طالما لم يقم لها معارض، فالله تعالى هو الخالق وحده، وهو المستحق للعبادة وحده، وما دونه ضلال وباطل.

لذلك قال سبحانه:

قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا

[الإسراء: 42] يعني: ذهبوا إليه ليناقشوه كيف أخذ الخلق منهم؟ وكيف ادعاه لنفسه؟ ومعنى ﴿ مخلصا له الدين ﴾ [الزمر: 2] يعني: اجعل الدين خالصا لوجه الله، وامنع الرياء لأن الذي ترائيه لا يملك لك من ثواب العمل شيئا، فالمرائي الذي يرائي مثلا في صدقته ينفع المحتاج بالصدقة، وهو لا ينتفع بها لأن الله تركه يأخذ أجره ممن يرائيه، والعبد مثلك لا يملك لك شيئا. وفرق في المعنى بين مخلص بالكسر، ومخلص بالفتح: المخلص هو من يسبق عطاء الله له بالإخلاص فيخلص، أما المخلص فيصل بعطاء إخلاصه إلى عطاء الله. قلنا زمان: من الناس من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله يعني: ألح في الطاعة وداوم طرق الباب حتى فتح له. وآخر يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، يعني: ربه يختاره للطاعة ويخطفه من الخلق أو من المعصية إلى الطاعة، مثل كثيرين من المتصوفة، ومثال ذلك القاضي عياض رحمه الله، فقد كان في بداية أمره قاطع طريق، وفي يوم خرج كعادته يقطع الطريق على الناس، فسمعهم يقولون: لا تمروا من هنا فعياض على هذا الطريق، نزلت هذه الكلمات على عياض نزول الصاعقة، فكيف يهابه الناس ويخافونه لهذه الدرجة، فأخذ يؤنب نفسه وعزم على التوبة، وقال: يارب تب علي حتى يأمن هؤلاء. فتاب الله عليه. فلما استقام سأله الناس الذين يعرفون حقيقته: ما جرى لك يا عياض، يعني: كيف صرت من الأولياء، بعد أن كنت قاطع طريق؟. قال: والله إني لأعرف سببها، لقد مررت يوما بسوق البطيخ - أظن في بغداد - فوجدت ورقة من المصحف ملقاة على الأرض يدوسها الناس فأخذتها ونظفت ما بها من الأذى، ثم طيبتها بدرهم لم يكن معي غيره، ثم وضعتها في شق عال، قال: والذي نفسي بيده لقد سمعت بعدها مناديا ينادي: لأطيبن اسمك كما طيبت اسمي وكانت هذه الحادثة أول عهد عياض بالولاية. لذلك ورد أن النبي صلى الله قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٤٠