39.8
الضر هو ما يخرج الإنسان عن سلامته في نفسه، أو فيمن يعول أو فيما يملك، والإنسان حينما يصيبه الضر يفقده ركيزة التعالي، و العنطزة لأنه لا يسلم نفسه بلا ثمن، ويعرف أنه لا أحد يرفع عنه ضره إلا الله، فيتوجه إليه وحده ولا يغش نفسه. وقد أوضحنا هذه المسألة بحلاق الصحة زمان، وكان يقوم بدور الطبيب في البلدة، فلما انتشر التعليم وتخرج بعض الأطباء من كلية الطب خاف صاحبنا على أكل عيشه، وخاف أن يسحب هؤلاء البساط من تحت قدميه فراح الحلاق يهون من شأن الطبيب الجديد الذي عين في البلدة يقول: إنه لا يعرف شيئا وو، يريد أن يصرف الناس عنه، لكن لما مرض ولده ماذا فعل؟ هل غش نفسه؟ لا بل لف الولد بالليل، وأخذه إلى الطبيب الذي طالما تكلم في حقه وقلل من قدراته أمام الناس، أما الآن والمريض ولده فإنه يعود إلى الحق ولا يخدع نفسه. كذلك الإنسان إذا مسه الضر وعزت عليه أسبابه لا يلجأ إلا إلى ربه بعد أن انهدت فيه حيثية
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7] وبعد أن سقط عنه قناع التعالي والغطرسة. وقلنا: إن هذه القضية يستطيع كل منا أن يلمسها في نفسه فأنت مثلا تعطي ولدك مصروفه كل يوم عندما يذهب إلى المدرسة، وفي يوم ما نسيت تعطيه المصروف، ماذا يفعل؟ يتعرض هو لك ويحاول أن يمر من أمامك وكأنه يذكرك بما نسيته، فيسلم عليك أو يقول: أنا رايح المدرسة يا بابا، ولو أنك تعطيه مصروفه كل شهر ما فعل ذلك طوال التسعة وعشرين يوما، نعم
كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى
[العلق: 6-7]. فالإنسان ساعة يصيبه الضر، وهو يعلم أن الضر لا يرفعه إلا الله، ولا يصرفه إلا خالق السماوات والأرض، فإنه لا يتوجه إلا إليه، لمن تعتقد مواجيده أنه قادر على رفع هذا الضر، حتى لو كان كافرا بالله، غير مؤمن به فإنه إذا مسه الضر يقول: يا رب، والعجيب أن الله يقبله ويغيثه ولا يرده
أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء
[النمل: 62]. ويكفيك أنك لم تجد إلا أنا ولا تقول إلا يا رب. لذلك قال سبحانه:
وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه
[الإسراء: 67] يعني: إن دعوت غير الله لا يستطيع الوصول، ويضل الطريق إليك، ولا يجيبك إلا الله. ومعنى ﴿ منيبا إليه ﴾ [الزمر: 8] راجعا إليه ﴿ ثم إذا خوله نعمة منه ﴾ [الزمر: 8] يعني: أعطاه ﴿ نسي ما كان يدعو إليه من قبل ﴾ [الزمر: 8] أثار العلماء ضجة ومعركة حول الاسم الموصول ما هنا وقالوا: لماذا لم يقل نسي من لأن من تدل على العاقل، أما ما فلغير العاقل، على معنى أن ما هنا تعود إلى الله تعالى.
ونقول: القرآن يسير على غير هذا، واقرأ:
قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد
[الكافرون: 1-3] ف ما أطلقت على الله تعالى. إذن: ما هنا في معناها الصحيح، وإن غابت عنكم حكمة ذلك، نعم من للعاقل، وما لغير العاقل، لكن الحق سبحانه لم يصف نفسه بالعقل لأن العقل صفتك أنت، فجاء بالصفة التي لا تمنع عدم وجود العقل، ولو قال من لأدخل الحق سبحانه فيمن يعقل، وهو سبحانه لم يصف نفسه بأنه عاقل، إنما عالم وعلام. ويمكن تفادي هذا الإشكال لو وجهنا ما توجيها آخر، فيكون المعنى: نسي الضر الذي كان سببا في رجوعه إلى الله، لا نسي من أنقذه، وكشف عنه ضره، وتكون ما بمعناها اللغوي لغير العاقل. وقوله: ﴿ وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ﴾ [الزمر: 8] أنداد: جمع ند، وهو الشبيه أو المثيل والنظير، وهؤلاء الكفار رجعوا لله تعالى أندادا مع علمهم أنه الإله الحق سبحانه، ومع علمهم أنه ضل من تدعون إلا إياه، ليرضوا في أنفسهم مواجيد الفطرة الإيمانية، فالواحد منهم يريد أن يكون له إله يعبده، لكن إله على هواه، إله ليس له تكاليف، وليس في عبادته مشقة على النفس، إله بلا منهج: لا افعل، ولا لا تفعل. وقوله ﴿ ليضل عن سبيله ﴾ [الزمر: 8] البعض قرأها بالفتح ليضل ونقول: هو لم يفعل ذلك إلا لأنه ضال في نفسه، فالأقرب بالضم ليضل أي: يضل غيره. ثم يقول سبحانه قل أي: رد يا محمد. وقل: ﴿ تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ﴾ [الزمر: 8] لكن ما وجه التمتع بالكفر؟ قلنا: أن يعبد إلها بلا منهج وبلا تكاليف، إلها لا يمنعه من شرب الخمر ولا يقيد شهوات نفسه إلها لا يأمره بالصدق ولا بالأمانة.. إلخ بل يتركه يربع في الكون يتمتع به كما يشاء. وقال: ﴿ قليلا ﴾ [الزمر: 8] لأن التمتع هنا موقوت بالدنيا ومدة بقائه فيها، وقلنا: إن الدنيا بالنسبة للإنسان هي مدة بقائه فيها لا مدتها منذ خلق آدم إلى قيام الساعة. وكلمة ﴿ من أصحاب النار ﴾ [الزمر: 8] الصحبة هنا تدل على التعارف والمودة الحميمة بين النار وأهلها لذلك يقول تعالى في خطاب النار: