تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.6

تبين الآية طبيعة خلق الإنسان الذي أراده خليفة في الأرض، فقال: ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ [الزمر: 6] هو آدم عليه السلام ﴿ ثم جعل منها زوجها ﴾ [الزمر: 6] أي: حواء، ومنهما كانت الذرية وجاء التناسل. وما دام الله تعالى خلق هذا المخلوق ليكون خليفة يعمر الأرض فلا بد أن يكونوا من جنس واحد ليتم لهم الإلف والانسجام وتجمعهم حركة الحياة. وإلا لو كان هذا الخليفة من أجناس متعددة، فمجموعة مثلا من الإنس، وأخرى من الجن، وأخرى من الحيوان ما استقامت بهم الحياة، ولا تساندت حركتهم. إذن: الجنس الواحد تتوفر فيه المودة والإلف والمحبة والانسجام بين عناصره لأن لكل جنس قانونه ونظامه والتقاءاته ومعاشرته، ولو أن الإنسان خلق من أجناس مختلفة لتعذر عليه الائتلاف واتحاد الحركة والأنس في المعيشة. وأيضا، فإن الخالق سبحانه خلق الإنسان من جنس واحد ليثبت التساوي في الأصل، فلا يكون لأحد مزية على أحد، لأنه خلق من جنس أعلى، وإنما ليكون التفاضل والمزية بمقدار توافق هذا المخلوق مع منهج الله، وهذه القضية أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:

" لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى ".

والحق سبحانه يقول:

إن أكرمكم عند الله أتقاكم

[الحجرات: 13] يعني: لا فضل لأحدكم على الآخر إلا بحسنه فيما يستقبل عن ربه. وإنما تأتي الألوان والأشكال مختلفة لتناسب بيئة المعيشة، فالبيئات الحارة مثلا يميل أهلها إلى السواد، والبيئات الباردة إلى البياض، كذلك الحال في اختلاف الألسنة بحسب البيئات أيضا. أما الأصل فنحن جميعا نرد إلى آدم، وآدم خلق من تراب، وذريته خلقت من بعده بالتكاثر. حتى في الرسالة قال الله تعالى:

لقد جآءكم رسول من أنفسكم

[التوبة: 128] يعني: ليس غريبا عنكم، وليس من جنس غير جنسكم، فلم يكن من الملائكة مثلا مع أنها أعلى درجة إلا أن الرسول الملك لا تتحقق فيه القدوة والأسوة المرادة من الرسول، كذلك لم يأت فارسيا ولا روميا يختلف لسانه عن لسانكم، إنما جاء عربيا من أوسطكم، ومن أعظم قبائلكم. إذن: البشر جميعا في هذا الكون يعودون إلى نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وقد أوضح لنا الحق سبحانه كيف خلق آدم بالشكل المعروف. وقال سبحانه:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[الحجر: 29]. لكن لم يذكر شيئا عن خلق حواء، إلا أن العلماء قالوا: خلقها الله كما خلق آدم، وقال آخرون: بل خلقت من ضلع من أضلاع آدم، فهي مطمورة في خلق آدم، مما يدل على أن المرأة تابعة للرجل، محجوبة فيه، حتى في مسألة الخلق. وأصحاب هذا الرأي يعتمدون على معنى: ﴿ ثم جعل منها زوجها ﴾ [الزمر: 6] منها أي: من جزء من أجزائه، أو من جنسه لأن جعل لا تدل على اختلاف العنصر كما في قوله تعالى:

وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون

[السجدة: 9]. يعني: قطعة منا صارت السمع، وقطعة صارت البصر، وأخرى الأفئدة. كذلك حين يتحدث القرآن عن العمل تأتي المرأة مستورة في الرجل، فيقول تعالى:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 1-3] وفي مواضع كثيرة يقول تعالى:

يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله..

[المائدة: 35] ولم يوجه الخطاب إلى النسوة مباشرة إلا في الأمور الخاصة بهن. ثم يقول تعالى، وهو يعدد بعض نعمه على خلقه: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ [الزمر: 6] وسبق أن قلنا في صدر هذه السورة: إن الإنزال لا تنظر فيه إلى جهة العلو فحسب كما في إنزال المنهج والقيم، إنما ينظر أيضا إلى المنزل سبحانه، فالإنزال يكون بمعنى الإيجاد، والأنعام من النعم الموجودة في الأرض لكنها من عند من؟ من عند الله فكأنه أنزلها، والإنزال هنا ناسبه حرف الجر ﴿ لكم ﴾ ولم يقل: عليكم لأن الأنعام شيء منفصل عن الإنسان. وقد ورد تفصيل هذه الثمانية في سورة الأنعام، ومع أن نعم الله علينا كثيرة إلا أنه خص هنا الأنعام بالذات، لأنها الجنس القريب من الإنسان من حيث الخلق، بعدها النبات ثم الجماد. وكلمة الزوج. البعض يظن أنها تعني اثنين معا، وهذا خطأ لأن الزوج تعني: واحد ومعه مثله، ومن ذلك قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٤٥