قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين
[الزخرف: 81] يعني: أول من يصدق هذه المسألة.
39.13-15
سبحان الله، أيقول رسول الله ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ [الزمر: 13] فكأنه يقول: أنا لم آخذ هذه المنزلة حكما مطلقا أنني نبي مكرم، بل أنا كعامة الناس إن عصيت ربي تعرضت للعقاب، يعني تقديم الله لي أولا واصطفاؤه لي لا يشفع لي إن حدثت مني معصية. ثم يقول سبحانه على لسان رسوله ﴿ قل الله أعبد مخلصا له ديني ﴾ [الزمر: 14] وهذه أيضا للعقائد وليقين الإيمان، وقد سبق قوله تعالى:
قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين
[الزمر: 11] وهنا ﴿ قل الله أعبد ﴾ [الزمر: 14] فما الفرق بين الله أعبد و أعبد الله؟ قوله تعالى:
أن أعبد الله
[الزمر: 11] جاء على الترتيب الطبيعي للجملة: الفعل، ثم الفاعل، ثم المفعول. والجملة بهذا الترتيب لا تمنع من العطف على المفعول كما تقول: أطع فلانا، فإنها لا تمنع أن نقول وفلانا، أما إن قدمنا المفعول به على الفعل، كما في قوله سبحانه: ﴿ قل الله أعبد ﴾ [الزمر: 14] فإن تقديم المفعول أفاد القصر يعني: قصر العبادة على الله وحده، كما لو قلت: إلى الله أشكو يعني: لا إلى غيره. فالآية الأولى جاءت بالترتيب الطبيعي للجملة، والأخرى جاءت بصيغة القصر، كأنه قال: أنا لا أعبد غير الله، وأنتم اعبدوا ما شئتم ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ [الزمر: 15]. ثم يبين سبحانه عاقبة الشرك فيقول: ﴿ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ [الزمر: 15]. نفهم أن هؤلاء المشركين خسروا أنفسهم يوم القيامة، لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر وبالشرك، لكن كيف يخسرون أهليهم أيضا؟ قالوا: لأن أهليهم هم أولادهم وذريتهم وهؤلاء إما أن يؤمنوا، وإما أن يظلوا على كفرهم مع الآباء، فإن ظلوا على كفرهم فهم خاسرون كآبائهم، وإن آمنوا فلن يكونوا مع الآباء، وسيحرمون رؤيتهم، لأن هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار. إذن: الخسارة ملازمة لهم في كلتا الحالتين. وكلمة الخسارة هنا أكدها الحق سبحانه بالمفعول المطلق ﴿ ذلك هو الخسران المبين ﴾ [الزمر: 15] ثم وصف الخسران بأنه مبين أي: بين واضح ومحيط لأن التاجر متى يكون خاسرا؟ إما أن يعود إليه رأس ماله دون زيادة، وفي هذه الحالة يكون قد خسر جهده وتعبه في تجارته، وإما أن تتعدى الخسارة إلى رأس المال فيخسر تعبه وجهده، ويخسر جزءا من رأس المال، وهذا هو الخسران المبين، أي: المحيط بكل شيء فقوله تعالى: ﴿ ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ [الزمر: 15] يعني المحيط الذي أحاط بأهله وماله وتعبه وسعيه.