تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.17-18

كلمة الطاغوت مبالغة من طاغ، والطاغوت هو الظالم الذي يزيده احترام الناس لظلمه، أو خوفهم منه يزيده ظلما وغطرسة، والطاغوت لا بد أن يكون له توجيه وتعال، لذلك لا يقال للأصنام طواغيت، لأنها لا تعلو بذاتها، وليس لها توجيهات، إنما يعلو بها عبادها، إذن: الطاغوت لا يكون إلا من البشر، ولو كان حاكمين فقط، وإلا فما وجه الطغيان في الأصنام؟ الأصنام لا قالت ولا ظلمت. وفي المثل الريفي يقولون: يا فرعون إيه فرعنك؟ قال: ملقيتش حد يردني إذن: لو وقف الناس في وجهه، ولو ردوا ألوهيته عندما أله نفسه لارتدع عن هذا. ورحم الله أحمد الزين، ففي عهد الملك أرادوا وحدة وطنية تجمع كل الأحزاب تجتمع بالملك ليفكروا في حل مشاكل البلد، ودعوا لذلك مصطفى النحاس، لكنه لم يذهب، فلما سأله أتباعه: لماذا لم تذهب لهذا الاجتماع؟ قال: لأني سأكون فيه أقلية. يعني: لكثرة الموجودين، فأخذ أحمد الزين هذا الموقف، وقال فيه قصيدة أراد أن يغمز فيها الملك، فقال:

كلهم بالهوى يمجد دينه

ألف مفت ومالك بالمدينه

كم رئيس لولا القوانين

تحمي جهله كان طرده قانونه

ذو جنون وزاد فيه جنونا

أن يرى عاقلا يطيع جنونه

فالطاغوت ما صار طاغوتا إلا لأن الناس خافوه ولم يردوا طغيانه، ولم يجابهوه، بل وافقوه وداهنوه، فاستشرى به الطغيان. البعض يرى أن الطاغوت كل ما عبد من دون الله، لكن ينبغي أن نضيف إلى ذلك: وهو راض بهذه العبادة، وبناء على هذا التعريف لا تعد الأصنام طواغيت، ولا يعد عيسى - عليه السلام - طاغوتا، ولا يعد أولياء الله طواغيت كما يدعي البعض لأن الناس فتنوا فيهم، ولا ذنب لهم في ذلك. وقوله: ﴿ وأنابوا إلى الله.. ﴾ [الزمر: 17] أي: رجعوا إلى عبادته وحده لا شريك له ﴿ لهم البشرى ﴾ [الزمر: 17] أي: بالجنة لأنهم وقفوا في وجه الطغيان، وردوا الظلم ولم يقبلوه، والله تعالى يريد من المجتمع المسلم أن يقف في وجه كل طاغية، وأن يعدل سلوك كل منحرف، وأن يقاطع أهل الفساد ويعزلهم عن المجتمع وحركة الحياة فيه. ومثلنا لذلك بالفتوة الذي يحمل السلاح ويهدد الناس في نفوسهم وفي أرزاقهم وأعراضهم، بل ومنهم من يتحدى القانون والسلطة والنظام، إنه ما وصل إلى هذه الدرجة إلا لأن المجتمع تخلى عن دوره في الإصلاح والتصدي لأهل الشر. قبل أن أبدأ لقائي في هذه الحلقة أذكر أنه وصلني كتاب اليوم من أحد الإخوان يطلب مني أولا أن أذكر له القصيدة التي قيلت في قنوت الليل، وأنا لا أقول من قالها، وإنما أحيله إلى رجل حجة في هذا الباب، هو الدكتور محمد عبد المنعم خفاجة عميد كلية اللغة العربية سابقا، وحجة رابطة الأدب في مصر.

وسأل أيضا عن اختلاف العلماء في تحديد الليل والنهار اختلافا ينفي بعض الليل من النهار، وينفي بعض النهار من الليل، وأقول وبالله التوفيق: إن اختلاف الناس في الليل والنهار اختلاف بين الشرعيين والفلكيين، فالشرعيون يرون أن الليل يبدأ من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، والفلكيون يقولون: إن الليل يبدأ من غروب الشمس إلى شروق الشمس. إذن: فهناك فترة مختلف عليها، وهي من الفجر إلى الشروق، فالذين نظروا إلى أنها ليست من الليل هم الشرعيون، وذلك لأن المراد في احتياط الصوم ألا يجور الإنسان على شيء من الليل، يدخل فيه شيئا من النهار فاحتاطوا لذلك. ووجه الاحتياط أن الشرعي نظر إلى النور الذي يبدو عند طلوع الفجر، ولم ينظر إلى سبب النور وهو الشمس، فنحن نرى نورا قبل أن تطلع الشمس. أما الفلكي فينظر إلى وجود النور، هذا النور يكون من علامة الليل. الشرعي قال: لا ففرق بين النور يظهر وبين المنور، لأن نور الفجر إلى الشروق نور لا نرى فيه الشمس، وهو مرتبط بغروب الشمس وشروقها، والليل يقال فيه: ليل أليل أو ليلة ليلاء يعني شديدة الظلمة وهي حينما يكون القمر في المحاق، أو يقال ليلة ليلاء. يعني: فيها تعب ومشقة. وقد جعل المحبون من الليل مراحا ومغدى لشعرهم، فإن كانوا مع الأحبة تمنوا أن يطول الليل، وإن فارقوا الأحبة تمنوا أن يقصر الليل. ومن ذلك قول الشاعر

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٥٩