إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا
[الإسراء: 75]. وفي سورة الكهف وصف القرآن بقوله:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما..
[الكهف: 1-2]. وقوله: ﴿ لعلهم يتقون ﴾ [الزمر: 28] أي: يتقون صفات الجلال من الله تعالى ومتعلقاتها من التعذيب بأي لون من ألوان العذاب.
39.29
هذا مثل ضربه الله لبيان قضية التوحيد، ويوضح من خلاله الفرق بين عبد لسيد واحد، وعبد لعدة أسياد، وهذه صورة مكونة من عدة عناصر، فالرجل مملوك لشركاء، وليتهم متفقون على شيء، إنما متشاكسون مختلفون، كل منهم يأمر بشيء، فإن أرضى هذا أغضب ذاك، وإن أطاع سيدا عصى الآخر. إذن: كيف يبدد نفسه؟ وكيف له أن يستريح فهو دائما في حيرة من أمره؟ أما الآخر، فعبد لسيد واحد، أمره واحد، وهو مرتبط بسيده، قاصر خدمته عليه. ﴿ هل يستويان مثلا.. ﴾ [الزمر: 29] ويترك الحق سبحانه لك أن تجيب أنت على هذا التساؤل ﴿ هل يستويان.. ﴾ [الزمر: 29] لا نملك إلا أن نقول: لا يستويان أبدا، ونقر نحن بهذه الحقيقة، وهذا هو مقصد القرآن أن نقر نحن بها، لا أن تلقى إلينا كخبر من الله تعالى، وهذا الذي نحكم به يقوله كل عاقل، ولا يرده أحد. فالعبد المملوك لسيد واحد، كمن آمن بالله تعالى وأخلص له العبادة وحده سبحانه، والعبد المملوك لشركاء متشاكسين مثال للعبد الذي أشرك مع الله في العبادة، وعليك أنت أن تعتبر. وقوله سبحانه: ﴿ الحمد لله.. ﴾ [الزمر: 29] أي: الحمد لله على أن ضرب لنا الأمثال، وأوضح لنا الأمور لنأخذ المعقول المعنوي بالمحس المادي، فالذي يعبد الله وحده لا شريك له يعيش مرتاح البال، هادئ النفس، مطمئن القلب، على خلاف من يعبد آلهة متعددة، فهو مشتت النفس، غير مستقر البال، إن أرضى سيدا أغضب الآخر، وليس لديه القوة التي تعينه على إرضاء الجميع، فهو أشبه بالخادم الذي يقول أناح أقطع نفسي؟ فالحمد لله الذي نزل القرآن عربيا، لا عوج فيه، والحمد لله الذي ضرب لنا فيه الأمثال التوضيحية التي تقرب ما تقف فيه العقول بالذي تتفق فيه العقول. ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الزمر: 29] أي: لا يعلمون هذه القضية، لا يعلمون أن الإيمان بالإله الواحد الحق والعبودية الخالصة له سبحانه فيها سعادة العبد وراحته، وأن العبودية لآلهة شتى في شقاوة العبد وتعبه. وهم لا يعلمون هذه الحقيقة لأنهم ما وضعوا قضية الإيمان بالربوبية موضع البحث العقلي، بل أخذوها هكذا بلا تأمل، المهم عنده أن يكون لهم إله ليس له أوامر ولا نواه، إله بلا منهج وبلا تكاليف، وما أحسن هذا الإله الذي تأخذه على مزاجك، ووفقا لهواك. وقوله سبحانه: ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ [الزمر: 29] طمأن أهل الإيمان وأهل التوحيد، فهم وإن كانوا القلة إلا أنهم موجودون، فالخير لا يعدم مهما كان قليلا، ومن ذلك قوله تعالى:
ثلة من الأولين * وقليل من الآخرين
[الواقعة: 13-14]. وقال في أصحاب اليمين:
ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين
[الواقعة: 39-40] فالخير إذن في هذه الأمة.