تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.65

هذه الآية تبين علة الاستفهام والتعجب في:

أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون

[الزمر: 64] يعني: كيف تأمرونني بذلك، وأنا الرسول المؤتمن على الدين والوحي، وقد أوحى الله إلي وإلى الذين من قبلي ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ [الزمر: 65] هذه علة تجهيلهم في قولهم لرسول الله: نعبد إلهك سنة وتعبد آلهتنا سنة. ومعنى ﴿ وإلى الذين من قبلك ﴾ [الزمر: 65] أي: الرسل السابقين، لأن كل واحد منهم قوبل بهذه القضية، لكن هل يعقل من الرسل أن يشركوا بالله؟ قالوا: هذا فرض، يعني: لو فرضنا ذلك فسيكون هذا جزاءهم، فهي أشبه بقولهم: إياك أعني واسمعي يا جارة فإذا كان هذا الوعيد موجها إلى الرسل فهو موجه من باب أولى إلى العامة. قال بعض العلماء في هذه الآية ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك ﴾ [الزمر: 65] أنت تتكلم هنا عن عصمة الرسل، لكن هذه العصمة بقدر الله، وقدر الله لا يملكه أحد، ألم يقل رسول من الرسل:

قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما..

[الأعراف: 89]. فالمعنى أنه أعطى للقدرة طلاقة أن تفعل ما تريده، وإن كان هذا لا يحدث. ومضمون الوحي إليك وإلى الذين من قبلك: ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ [الزمر: 65] لكن الآية جعلت الموحى إليهم في جانب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب، فخص الله رسوله بالخطاب في ﴿ لئن أشركت ﴾ [الزمر: 65] والخطاب لرسول الله دل على أنه موجه أيضا إلى الرسل السابقين. ومعنى ﴿ ليحبطن عملك ﴾ [الزمر: 65] يفسد ويضيع بلا جدوى ﴿ ولتكونن من الخاسرين ﴾ [الزمر: 65] نعرف في التجارة أن الخسارة هي أن يقل رأس المال ذاته، فالتاجر حين لا يربح زيادة على رأس المال لا يسمى خاسرا ما دام سلم له رأس ماله. كذلك المؤمن، رأس ماله في تجارته مع الله إيمانه وعمله الصالح، فربك خلقك من عدم وأمدك من عدم، وأرسل لك رسلا وأنزل لك كتبا، فجعل لك بذلك صفقة رابحة معه سبحانه، وعليك أنت أيها المؤمن أن تستغل هذه الفرصة لتربح مع الله، لأن العمل الذي تعمله في الدنيا عمل موقوت بحياتك وعمرك في الدنيا. أما الجزاء على العمل ففي الآخرة وهي غير موقوتة، بل دائمة باقية، وهنا تكمن ميزة التجارة مع الله لذلك قال سبحانه:

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 64].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٢٠