39.53
الإسراف هو تجاوز الحد، نقول: فلان مسرف يعني: يتجاوز الحد في الإنفاق بما لا يتناسب مع دخله، وهؤلاء أسرفوا على أنفسهم ولم يقل: أسرفوا لأنفسهم. إنما أسرفوا عليها. مما يدل على أن هذا الإسراف يجر عليهم الوبال، فهو إسراف في المعاصي والذنوب والعياذ بالله. قلنا: الإسراف تجاوز الحد، الحد إن كان بعد أمر فلا تتجاوزه، وإن كان بعد نهي فقال لا تقربه مجرد القرب منه لذلك يقول تعالى في الأوامر:
تلك حدود الله فلا تعتدوها
[البقرة: 229] يعني: قف عندها. أما في النواهي فيقول سبحانه:
تلك حدود الله فلا تقربوها
[البقرة: 187] لأن قربك من الشيء يغريك به. وكما ورد في الحديث الشريف:
" من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه ".
لذلك حينما نهى الحق سبحانه سيدنا آدم عن الأكل من الشجرة لم يقل له: لا تأكل منها، إنما قال سبحانه:
ولا تقربا هذه الشجرة
[الأعراف: 19]. لذلك تجد أن لفظ الاجتناب أقوى من لفظ التحريم وأشد، وعجيب أن نسمع من الذين يسرفون على أنفسهم يقولون: لم يرد لفظ يحرم الخمر في كتاب الله، نقول: كيف وقد ورد ما هو أشد من التحريم وهو الاجتناب في قوله سبحانه:
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون
[المائدة: 91]. لأن معنى فاجتنبوه يعني: ابتعدوا عنها بالكلية فجانبوا مجلسها، وجانبوا شاربها، وجانبوا بائعها، وجانبوا ناقلها.. إلخ فهذا أبلغ في التحريم من قولنا لا تشرب الخمر، بدليل أن القرآن استخدم لفظ الاجتناب في قمة الإيمان العقدي، فقال سبحانه:
فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور
[الحج: 30]. فإذا تناولنا الإسراف في الإنفاق نجد أن الحق سبحانه وتعالى يريد أن تسير حركة الحياة في المجتمع الإيماني حركة متوازنة متساوية تتوسط في الأمور، بمعنى أنك تعرف دخلك ورزقك الذي يسوقه الله إليك، والله لا يريد منك أن تقبض هذا الرزق وتمسكه فلا تنفق منه، ولا يريد منك أن تنفقه كله أو تسرف فيه بل يريد الوسطية، كما بين سبحانه:
والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما
[الفرقان: 67] فالإسراف والتقتير كلاهما مذموم منهي عنه، فمن اتخذ سبيلا غير سبيل الوسط أضر بنفسه وبالمجتمع، لأنه إن أمسك المال قلت قوة الشراء وقوة البيع في الأسواق، ويترتب على ذلك ركود في الحركة التجارية والصناعية وبوار للسلع وكساد في السوق. وإن أسرف وبذر فأنفق كل دخله لم يجد شيئا يدخره لينمي به حياته ويحسن من مستواه ويرتقي بحياته، وعندها يلوم نفسه لأنه يرى غيره يرتقي ويرفه حياته وهو لا يستطيع.
وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في قوله تعالى:
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا
[الإسراء: 29]. والمعنى: ملوما حين تمسك وتضن، محسورا حين تسرف وتبذر، لأنه سيجد أهل الوسطية يعيشون عيشة السعداء، لا لوم ولا حسرة. والعاقل هو الذي يخضع مصرفه لدخله، لا أن يخضع دخله لمصرفه، لأنك حين تخضع دخلك لمصرفك فلابد أن تمتد يدك للاقتراض من الناس، وهذا سيتعبك ويشق عليك، وسوف تعييك الحيل، ويقبض الناس عنك نفوسهم، وتهون في أعينهم حتى تعيش بسبب ذلك في كرب. إذن: نقول: الإسراف تجاوز الحد فيما يعود عليك بالشر والضرر، لذلك قال تعالى: ﴿ أسرفوا على أنفسهم ﴾ [الزمر: 53] أما الإسراف الذي يعود عليك بالخير فهو إسراف لك لا عليك كالذي يدفع زكاة ماله عشرة بالمائة بدلا من 2.5 بالمائة، لأنه أيقن أن هذا هو الباقي له والمدخر عند الله، فواحد يعمل لأمر دنياه فحسب، وواحد يعمل للدنيا وللآخرة. لذلك لما سئل الإمام علي رضي الله عنه: يا إمام أريد أن أعرف أنا من أهل الدنيا، أم من أهل الآخرة؟ قال: ليس عندي جواب هذا السؤال، إنما جوابه عندك أنت، قال: كيف؟ قال: إذا دخل عليك اثنان: واحد بهدية، والآخر يريد صدقة أو معونة، فانظر إلى أيهما تبش، وبأيهما ترحب، فإن رحبت بصاحب الهدية فأنت من أهل الدنيا، لأنك تحب من يعمر لك دنياك، وإن كانت الأخرى فأنت من أهل الآخرة، لأنك تحب من يعمر لك آخرتك. وتعرفون قصة الشاة التي