تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا

[الإسراء: 1]. ولا غرابة في ذلك، لأن الفعل نسب إلى الله ولم يقل محمد صلى الله عليه وسلم:

" سريت إنما قال: أسري بي "

ومعلوم أن الفعل يتناسب وفاعله قوة وزمنا، فإذا كان الفاعل هو الله فلا زمن يذكر. ومثلنا لذلك قلنا: لو أنك تريد السفر إلى الإسكندرية مثلا تركب حمارا أو جوادا أو سيارة أو طائرة أو صاروخا، هل سيكون الزمن نفس الزمن؟ لا لأن الزمن يتناسب مع قوة الوسيلة، فكلما زادت القوة قل الزمن، فإذا كان الفاعل في الإسراء هو قوة القوى وهو الله، فلا شك أن الفعل لا يحتاج إلى زمن. حين تتأمل الدم يجري في الشرايين لا بد أن يكون على درجة معينة من السيولة ليجري، فإن قلت هذه السيولة تجلط وتجمد في مجاريه، وقد تسد الشرايين فيموت الإنسان، لكن إذا سال الدم خارج الجسم يتجلط، أما في العروق فيظل على سيولته. تأمل حرارة الجسم تجد الحرارة الطبيعية 37 سواء أكنت تعيش في بلاد الإسكيمو أو بجوار خط الاستواء حرارتك ثابتة عند 37 ، ومع ذلك ففي جسم الإنسان أعضاء تختلف في حرارتها وهي في الجسم الواحد، فالعين مثلا حرارتها الطبيعية تسع درجات، والكبد أربعون درجة، ولو طغت حرارة الجسم على حرارة العين لفقد الإنسان بصره. ومن المعروف أن من خصائص الحرارة أو البرودة خاصية الاستطراق، فكيف لا تستطرق الحرارة والبرودة داخل الجسم الإنساني؟ هذه كلها أمور يجب أن نقول فيها: سبحان الله صاحب هذه القدرة ومبدعها.

إذن: قل دائما سبحان الله في كل أمر مستغرب لذلك علمنا القرآن هذه الكلمة في كل فعل لا يقدر عليه إلا الله. قال سبحانه:

سبحان الذى أسرى

[الإسراء: 1] وقال:

سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون

[يس: 36]. وكلمة سبحان الله ينبغي أن تقرن بحمده سبحانه، فكأنك تحمد الله أنه منزه عن مماثلة الخلق أو مشابهة الخلق، الحمد لله أنه لا مثيل له ولا نظير له ولا ند له، لأن هذا التنزيه تعود ثماره عليك أنت أيها المؤمن. وكلمة أستغفر الله العظيم من مقاليد السماوات والأرض، فإن غفلت عني فمن مقاليدي أن أغفر لك إن استغفرت حتى لا أحرمك من التوبة والإنابة إلي ومغفرة الدنيا محو للذنب، فهي مظهر من مظاهر رحمته تعالى بنا لأن العبد إن أغلقنا في وجهه باب التوبة استشرى في العصيان، وتمادى في الاعتداء على الآخرين. إذن: فمشروعية التوبة رحمت البشر من شرور البشر. وكلمة " لا حول ولا قوة إلا بالله " هي أيضا من مقاليد السماوات والأرض، فإذا أقبلت على شيء: فإياك أن تظن أنك تقبل عليه بحولك وقوتك، إنما لا حول ولا قوة لك إلا بالله، لأنه سبحانه هو الذي يستطيع أن يسلب منك الحول، وأن يسلب منك القوة. أما تفكرت في يدك.. كيف تحركها كيفما تشاء في يسر وسلاسة، وهي تنقاد لك وتطاوعك، وأنت لا تعرف حتى العضلات والأعصاب التي تشارك في هذه الحركة ولا تدري بها؟ إنها قدرة الله فيك، فإذا أراد سبحانه أن يسلب منك هذه القوة منع السيال الكهربي القادم من المخ إلى هذا العضو فتحاول رفعه فلا تستطيع. إذن: اجعل هذه المسألة دائما في بالك كلما أقبلت على عمل، واعلم أنه لا يتم لك بقوتك إنما بقوة الله. وكلمة " هو الأول والآخر والظاهر والباطن " من مقاليد السماوات والأرض، فهو سبحانه الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، كما قلنا في دعاء رمضان: يا أول لا قبل آخر، ويا آخر لا بعد أول، لكن ذاك في ذاك فقف أيها العقل عند منتهاك. ومعنى: الظاهر أي الظاهر في ملك الله مما يقع تحت إدراك البصر، والباطن: أي الخفي في ملكوت الله الذي لا تراه، فلله تعالى ملك ظاهر وملكوت غير ظاهر لا يطلع عليه إلا من شاء من عباده في الوقت الذي يريده سبحانه. وكلمة " بيده الخير " هي أيضا من المقاليد، وبعض العلماء قالوا: بيده الخير والشر ونظروا إلى قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١١٧