39.47
تذكرون أننا قلنا في الحديث عن الشفاعة أن المذنب يعرض على ربه عز وجل أن يدفع الفدية ليغفر له فلا يقبل منه عدل، فيأتي بمن يشفع له فترد شفاعته، فلنفرض أن عنده الدنيا بحذافيرها يملكها ويقدمها عدلا لسيئاته، بل أكثر من ذلك، عنده ما في الأرض جميعا ﴿ ومثله معه ﴾ [الزمر: 47] مع أن هذه الحالة لم تحدث لأحد، لكن على فرض أنها حدثت وقدم العاصي ذلك كله ليفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة فلن يتقبل منه. وقوله سبحانه: ﴿ لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ﴾ [الزمر: 47] يدل على أن الإنسان قبل أن يؤمن لنفسه النعيم يريد أن ينجو من العذاب فهذا هو الأهم لذلك الرجل المغرور صاحب الجنتين في سورة الكهف لما اغتر بعمله وظنه صالحا قال:
ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا
[الكهف: 36] يعني: سيعطيني أفضل مما كان عندي، وهذا غرور والعياذ بالله. لذلك تجد الغني حين يصيبه مرض شديد والعياذ بالله يقول: خذوا كل ما أملك وأعيدوا إلي عافيتي، يريد أن يتخلص مما هو فيه من المرض أولا، كذلك حال أهل المعاصي في الآخرة. ومعنى ﴿ من سوء العذاب ﴾ [الزمر: 47] أي: من العذاب السيء ﴿ يوم القيامة ﴾ [الزمر: 47] ثم يفاجئهم ما لم يكن في حسبانهم ﴿ وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ [الزمر: 47] بدا يعني: ظهر لهم لأن الإنسان مهما تخيل في الدنيا فلن يتسع تخيله لما يأتي الله به في الآخرة. لذلك سيدنا محمد بن المنكدر قال: لقد خوفتني هذه الآية لأنني أخشى حين أموت أن يبدو لي ما لم أكن أحتسب ذلك لأن الإنسان كثيرا ما يفعل سيئات دون أن يشعر بها، أو دون أن يعلم أنها سيئات، أو قد يفعلها وينساها، وهذه التي قال الله فيها
أحصاه الله ونسوه
[المجادلة: 6]. وقد يزين لك الشيطان السوء فتراه حسنا وما هو بحسن، كل هذا ستفاجأ به في الآخرة. وأول ما يفاجئ الكافرين يوم القيامة أنهم لن يجدوا الآلهة التي عبدوها من دون الله ولن تشفع لهم، حتى سادتهم وقادتهم الذين أضلوهم سيتبرأون منهم:
إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب
[البقرة: 166]. بل إن السادة المضلين سيسبقون الأتباع إلى النار كما حكاه القرآن:
هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار * قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار
[ص: 59-61]. ولو دخل التابع قبل سيده لتعلق فكره به وظن أنه سيأتيه ويخلصه، لكنه سيدخل فيجده قد سبقه، وعندها تنقطع منهم الآمال، وتكتمل الحسرة والندامة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا... ﴾.