تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.48

قوله ﴿ وبدا لهم ﴾ أي: ظهر لهم وبان لهم سيئات هل الذي يظهر لهم في الآخرة السيئات، أم عقوبة السيئات؟ قالوا: الذي يرونه في الآخرة هو عقوبة السيئات، لكن قال ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ [الزمر: 48] لأن الجزاء من جنس العمل، فالعقوبة هي أيضا سيئات، كما قال سبحانه:

وجزآء سيئة سيئة مثلها..

[الشورى: 40] لأن معنى السيئة هو الأمر الذي يسوء، فكما أساء هو في العمل في الدنيا نسيئه في الآخرة. وكلمة ﴿ ما كسبوا ﴾ [الزمر: 48] سبق أن أوضحنا هذه المسألة وقلنا: إن القرآن يستخدم كسب في الخير واكتسب في الشر لأن الخير يأتي من الإنسان طبيعيا لا تكلف فيه ولا احتيال، فيأتي على وزن فعل. أما الشر فيحتاج من فاعله إلى تكلف وستر واحتيال، فعبر عنه بما يدل على الافتعال وهو افتعل أو اكتسب. ومثلنا لذلك بالإنسان حين ينظر إلى أهل بيته أو محارمه وفيهن الجميلات مثلا، فهو ينظر نظرة طبيعية لا يسترها، ولا يخاف فيها شيئا، أما إن أراد أن ينظر إلى امرأة أجنبية عنه فإنه يخفي هذه النظرة، ويحتال لذلك بكل وسيلة. إذن: لماذا استخدم القرآن هنا لفظ كسب في مجال السيئات، وهي كما أوضحنا اكتساب؟ ومثله قوله تعالى:

بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته..

[البقرة: 81]. قالوا: استخدم القرآن كسب في السيئات لأن صاحب السيئة قد يتعود عليها حتى تصبح طبعا فيه وعادة ودربة، بل وتصبح بالنسبة له مهارة تصل إلى حد التباهي بها والعياذ بالله، وهؤلاء يفعلون السيئة دون تكلف ودون ستر، فهي في حقه كسب لا اكتساب، ومثال ذلك المجرمون الذين اعتادوا الجريمة وتمرسوا بها، فهي بالنسبة لهم عملية طبيعية، وساعة يعمل السيئة يعدها مكسبا له. وقوله: ﴿ وحاق بهم ﴾ [الزمر: 48] أي: نزل بهم ﴿ ما كانوا به يستهزئون ﴾ [الزمر: 48] هذا المعنى أوضحه الحق سبحانه وتعالى:

إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 29-36]. نعم.. كثيرا ما نرى ونسمع استهزاء أهل الباطل من أهل الحق وسخريتهم منهم وتندرهم عليهم، ويصل الأمر إلى أن يتهموهم بأنهم على ضلال، سبحان الله؟ لكن عزاء أهل الحق أن هذا الاستهزاء في الدنيا الفانية، وإن صبروا عليه كان لهم الأجر، وسوف يرد هذا الاستهزاء وهذه السخرية في الآخرة الباقية، حيث يسخر أهل الحق من أهل الباطل ويضحكون منهم، بل ويخاطبهم الحق سبحانه ليطيب خاطرهم:

هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 36] يعني: هل قدرنا أن نجازيهم بما يستحقون؟ قالوا: استهزاء الشرير بالخير، وسخريته منه ثأر من طيبته لشريرته، لأنه لا يستطيع ولا يقدر أن يكون مثله فيسخر منه ويستهزئ به لعله ينصرف عما هو فيه من الخير ويذهب إلى الشر، لكن العاقل يفهم هذه المسألة ويعلم أن هذا الاستهزاء غيظ وحقد وحسد فيصبر عليه وهو يعلم أن له بكل سخرية وبكل استهزاء منزلة عند الله، وله على ذلك عوض.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٩٩