يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد
[ق: 30] يعني: هاتوا أحبابي وأصحابي، وإلي بالمزيد منهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما يحذر الآخرة... ﴾.
39.9
كلمة أم تفيد التخيير بين أمرين، تقول هذا أم هذا، فلا بد أن يكون لها مقابل، فما مقابل ﴿ أمن هو قانت آنآء اليل.. ﴾ [الزمر: 9] المقابل لذلك في قوله تعالى قبلها:
وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله..
[الزمر: 8]. فالمعنى أيهما أحسن من صفته إذا مسه الضر يضرع إلى الله، فإذا كشف عنه الضر جعل لله أندادا، أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه. ومعنى: ﴿ قانت.. ﴾ [الزمر: 9] دائم الخضوع والعبادة آناء جمع إنو مثل حمل وأحمال، فكلمة إنو أي: جزء من الليل، وهي من حيث التصريف أأناو وقلبت الهمزة إلى مد والواو إلى همزة لأنها وقعت بعد الألف الزائدة، فصارت آناء. وقوله: ﴿ يحذر الآخرة ﴾ [الزمر: 9] يعني: يخاف منها ومن القهر فيها ﴿ ويرجوا رحمة ربه ﴾ [الزمر: 9] لأن رحمته سبقت غضبه، لم يقل يأمن مقابل يحذر إنما ذكر أولا ما يخوف من الآخرة إن عصى، والمراد يحذر النار في الآخرة، لكن لما تكلم عن رحمة الله جعلها مباشرة، فقال ﴿ ويرجوا رحمة ربه ﴾ [الزمر: 9] ولم يقل: ويرجو الجنة. والمؤمن حين يرجو لا يرجو عمله وسعيه في الدنيا، إنما يرجو وينتظر رحمة الله، لأنه لا ينجو بعمله، لأن أي إنسان مهما كان صالحا حين تحاسبه حسابا دقيقا لا بد أن يخرج بذنوب وإدانة. إذن: فالكفيل فينا جميعا والذي يسعنا رحمة الله، كما جاء في الحديث الشريف:
" لا يدخل أحد الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".
فإياك إذن أن تغتر بعملك، لأن التكاليف كلها لصالحك أنت، ولا يعود على الله منها شيء، فحين يجازيك عليها في الآخرة فهو تفضل من الله ونعمة. ثم يقول سبحانه: ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر: 9] بعد أن عقد الحق سبحانه مقارنة بين الإنسان إذا مسه ضر دعا ربه منيبا إليه، ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل، ومن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه. أراد سبحانه أن يؤكد هذا المعنى، وأن يبين لنا أن أصحاب العلم الحقيقي لا يستوون، وأصحاب العلم غير الحقيقي ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر: 9] فالذي رجع إلى الكفر بعد أن كشف الله عنه ضره لم يعلم العلم الحقيقي، لأنه لو علمه ما رجع إلى الكفر ولاستقل المطلوب منه في الدنيا إذا قارنه بما أعد له من جزاء في الآخرة.
أما الذي هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما، يحذر الآخرة، ويرجو رحمة ربه، فقد علم العلم الحقيقي، فالقنوت بالليل فيه مسائل كثيرة: أولا: أنه أبعد عن الرياء والسمعة، ثانيا: أن كل جوارحه تفرغت للقاء ربه، فالعين مثلا في ظلمة الليل تستريح من المرائي التي تشغل الإنسان وتأخذ انتباهه لأن كل مرءى يأخذ جزءا من خواطرك، فهذا راح وهذا جاء وهذا قال وهذا.. أما الليل فسكون لا انشغال فيه، فالجوارح كلها خالصة لوجه الله، لا تشغلها المرائي والأصوات. وهذا الجو يوفر لك وقفة حقيقية وخاشعة بين يدي الله. وفي القنوت تترك النوم وتحرم نفسك راحتها، لتقوم بين يدي ربك ساجدا أو قائما لذلك يقول الشاعر:
خلوت إلى ربي فهمت بقربه
وصرت خفيف النفس كأني بلا جسم
تلوت كتاب الله فيا نعم
ما عوضت من نعمة النوم
تمنيت ليلي أن يطول لأنتهي
إلى السين من والناس موصولة باسم
هذه صفة أهل القنوت الذين يقضون الليل في مناجاة ربهم، وهذا هو حال المرتحل في كتاب الله الذي لا ينتهي إلى السين من والناس حتى يبدأ في بسم الله الرحمن الرحيم في أوله لذلك سبق أن قلنا: إن القرآن كله مبني على الوصل، لا على الوقف. فهل يستوي من هذا حاله مع من كفر بالله؟ هذا علم وعمل، ولذلك لم يعلم أو علم ولم يوظف علمه فيما ينفعه. ثم إن العبد حينما يعلم ويعمل بعلمه يفيض الله عليه بالمزيد، فيعطيه علم المكاشفة، وعلم الفيض، رحمة منه سبحانه وفضلا، كما رأينا في قصة العبد الصالح الذي صاحبه سيدنا موسى - عليه السلام - قال تعالى في شأنه: