تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.36-37

يعني: يا محمد، لا تهتم بهذا الهراء فالله حسبك وكافيك، والذي يدل على ذلك أن رسول الله كان يحرسه القوم من المؤمنين مخافة أن يناله المشركون بسوء، ففوجئوا في يوم أن رسول الله يسرحهم وينهي هذه الحراسة ويصرفها. ولو لم يكن رسول الله واثقا أن الذي أمره بصرف الحراس كفيل بحفظه وحمايته لما فعل ذلك في نفسه لذلك رأينا المرأة الدنماركية وهي تقرأ في سيرته صلى الله عليه وسلم، أنه أعظم العظماء الذين تركوا بصمة واضحة في التاريخ، وقلبوا ميزان الدنيا، فلما جاءت عند هذه الحادثة وقرأت ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ [الزمر: 36] وقرأت:

والله يعصمك من الناس

[المائدة: 67] قالت: والله ما فعل محمد ذلك إلا وهو واثق من حماية ربه له، ولو خدع الناس جميعا ما خدع نفسه، وآمنت بسبب هذه المسألة. قوله سبحانه: ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ [الزمر: 36] يحلو للبعض أن يقول المعنى: أليس الله كافيا عبده، ويعتبرون الباء زائدة، وهذا غير صحيح، فليس في كلام الله تعالى حرف زائد فالهمزة هنا استفهام إنكاري، والإنكار يفيد النفي، بعدها ليس للنفي ونفي النفي إثبات. يعني: ننكر أن الله ليس بكاف عبده، وما دمنا ننكر أن الله ليس بكاف عبده، فالنتيجة أن الله تعالى كاف عبده. والحق سبحانه وتعالى: له اسم هو الله، وله صفات هي التي عرفناها بالأسماء الحسنى، ومن أسمائه الحسنى الكافي، فالمعنى إذن: أليس الله موصوفا بكاف عبده، فكيف إذن نقول: إن الباء زائدة؟ إن القول بزيادة الباء هنا يناقض بلاغة القرآن، ولا يصح أن نقول: إن في القرآن حرفا زائدا، البعض يتأدبون مع كلام الله ويقولون: بل هو حرف صلة، وآخرون يقولون: حرف لربط الوجود، ولسنا في حاجة إلى كل هذه التأويلات. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة، فلو قلنا مثلا: ما عندي مال، ما هنا تنفي وجود المال الذي يعتد به، ولا تمنع أن يكون معي جنيه أو جنيهان مثلا، لكن لو قلت: ما عندي من مال أي: من بداية ما يقال له مال ولا حتى مليم واحد إذن: حرف الجر هنا ليس زائدا في الكلام، إنما تأسيسي في المعنى. أما الذين قالوا بزيادة الباء في ﴿ بكاف ﴾ [الزمر: 36] فقد اعتبروا ليس من أخوات كان التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، فلفظ الجلالة اسمها مرفوع وكاف خبرها، فالتقدير: أليس الله كافيا عبده، وهذا ينافي جلال القرآن وبلاغته. وقوله: ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ [الزمر: 36] أي: بالأصنام ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ [الزمر: 36] يعني: دعهم يقولون ما يقولون فقد أضلهم الله فمن يهديهم؟ ﴿ ومن يهد الله فما له من مضل ﴾ [الزمر: 37] هذا هو المقابل إذا هدانا الله الطريق، فلن يضلنا أحد ﴿ أليس الله بعزيز ذي انتقام ﴾ [الزمر: 37] يعني: أليس الله موصوفا بالعزة، فالباء هنا كسابقتها.

والعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب، وما دام هو سبحانه غالبا لا يغلب فاحذروا انتقامه لأنه ﴿ ذي انتقام ﴾ [الزمر: 37] فمهما صنعتم بالفكر الفاسد والتبييت والائتمار فلن تغلبوه. وعجيب من الكفار أن يخوفوا رسول الله بالأصنام، وهم يعلمون حقيقتها وقولهم فيها:

ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى

[الزمر: 3] كلام باطل لغة، لأن العبادة طاعة العابد للمعبود في أمره ونهيه، وأي أمر أو نهي للأصنام؟ إذن: هذا الكلام منهم هراء وباطل. لذلك سيدنا خالد بن الوليد لما ألان الله قلبه للإسلام أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعثه ليهدم العزى، فلما ذهب إليها خالد وأمسك بفأسه ليكسرها قال لها:

يا عزى كفرانك لا سبحانك

إني رأيت الله قد أهانك

ولو كانت هذه آلهة لخوفته ومنعت نفسها. وقف بعض المستشرقين عند هذه الآية ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ [الزمر: 36] أي: بالأصنام، وقالوا الأصنام: اللات والعزى ومناة كلها أسماء مؤنثة، فكيف يقول القرآن بالذين وهي للمذكر ولم يقل باللاتي؟ ونقول: هناك فرق بين اسم للصنم ومسماه، يعني: اسمه صنم. وهذا الصنم سمي باللات أو العزى، فمن حيث هو صنم يكون الجمع مذكرا، ومن حيث المسمى مؤنثا، فالذين للاسم أي: للأصنام، واللاتي للمسمى. ونقف هنا عند هذه المقابلة في قوله تعالى: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ﴾ [الزمر: 36-37] الضال هو الذي لا يهتدي لغايته، كالذي ضل الطريق لا يدري أين يتجه، هذا ضال عن غير قصد للضلال لأنه لا يعرف. وجاء ضال بمعنى متردد حائر، في قوله تعالى مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٨٣