سبحان الذي خلق الأزواج كلها
[يس: 36]. وقال:
فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون
[الروم: 17]. وقال:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا
[الإسراء: 1]. فالحق سبحانه في مثل هذه المواقف يعلمنا أن ننزه الله، لأن العقل سيقف أمام هذه الأحداث حائرا، لكن الحدث هنا منسوب إلى الله فلا عجب إذن، لأن زمن الحدث يتناسب مع القوة الفاعلة تناسبا عكسيا، فكلما زادت القوة قل الزمن، فإذا نسبت الفعل إلى قوة القوى تجد لا زمن. إذن: نزهوا الله عن اتخاذ الولد لأنه ﴿ هو الله ﴾ [الزمر: 4] الذي له كل صفات الكمال ﴿ الواحد ﴾ الذي ليس معه غيره ﴿ القهار ﴾ أي: الذي لا يحتاج إلى عزوة، ولا يحتاج إلى معين.
39.5
قوله سبحانه: ﴿ خلق السموت والأرض بالحق ﴾ [الزمر: 5] أي: لم يخلقهما عبثا إنما خلقهما بالحق، والحق كما قلنا: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، كما قال سبحانه في آية أخرى:
وما خلقنا السموت والأرض وما بينهما لعبين
[الدخان: 38]. بل خلقهما الله بالحق وبالحكمة وبحساب دقيق وهندسة بديعة لتؤدي مهمتها التي أرادها الخالق سبحانه، بدليل أنها لا تزال منذ خلقها الله تؤدي مهمتها دون عطب فيها، أو خلاف بين أجزائها. وقوله تعالى: ﴿ يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ﴾ [الزمر: 5] تقول: كورت العمامة يعني لففتها على رأسي، فصارت مثل الكرة مكورة، وفي لف العمامة تغطي اللفة اللفة التي تحتها. كذلك الليل والنهار، جزء من الليل يغطي جزءا من النهار فيزيد الليل، أو جزء من النهار يغطي جزءا من الليل فيزيد النهار. هذا هو واقع الليل والنهار، فهل الليل والنهار يقتسمان الأربعة والعشرين ساعة بالتساوي، كل منهما اثنتا عشرة ساعة؟ لا، بل يزيد الليل فينقص من النهار في فصل الشتاء، ويزيد النهار فينقص من الليل في فصل الصيف. هذا يدل على أن الكون ليس محكوما بقوانين ميكانيكية جامدة كما يدعون، بل محكوم بقدرة الخالق سبحانه وحكمته. ولو تأملت طول الليل في الشتاء وقصره في الصيف لوجدت أن أمور الكون لا تسير هكذا حسبما اتفق، إنما لكل حركة فيها حكمة، فحين يقصر النهار في الشتاء يحتاج العامل لأن يجهد نفسه لينهي مهمته في هذا الوقت القصير، فيتعب نفسه ويجهدها. ومن الحكمة أن نعطيه فترة أطول يستريح فيها من تعب النهار، ولا بد أن تتناسب فترة الراحة مع فترة الجهد المبذول. أما في فصل الصيف فيطول النهار ويوزع العمل على هذا الوقت الطويل، فيؤدي الإنسان مهمته بأقل مجهود، بالإضافة إلى راحته في وقت القيلولة، فلا يحتاج إلى ليل طويل للراحة، لذلك يأتي ليل الصيف قصيرا. إذن: فالخالق سبحانه يكور الليل على النهار، ويكور النهار على الليل لحكمة في حركة الحياة. وفي موضع آخر عبر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى:
يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل
[فاطر: 13] يعني: يدخل كلا منهما في الآخر لذلك لا يتساوى الليل والنهار إلا في فترة قصيرة من العام تقتضيها الحركة بينهما. ونفهم أيضا من قوله تعالى يكور أن الأرض كروية، لأن الليل والنهار ظاهرة تحدث على سطح الأرض، وقد أثبت العلم هذه الحقيقة بالصور التي التقطوها للأرض من الفضاء، وصدق الله:
سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق
[فصلت: 53]. وقوله: ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ﴾ [الزمر: 5]. الأجل: هو يوم القيامة، فالحق سبحانه يطمئن الناس أن الشمس والقمر آيتان لله تعالى باقيتان خالدتان بقاء الدنيا وخلودها، إلى أن ينتهيا معها، ومع ذلك فكل منهما قائم بذاته بقدرة خالقه، لا يحتاج إلى وقود، ولا يحتاج إلى صيانة، ولا قطعة عيار.
. إلخ. ﴿ ألا هو العزيز الغفار ﴾ [الزمر: 5] قلنا: ألا استفتاحية تفيد تنبيه السامع لما بعدها، فكأن الله تعالى يقول لقد خلقت لكم هذا الكون المحكم البديع، ووفرت لكم مقومات حياتكم، وأنا الغني عنكم، العزيز الذي يغلب ولا يغلب، ولا يحتاج لأحد. لكن ما مناسبة الغفار هنا؟ قالوا: لأن الله تفضل على خلقه بهذه الآيات الشمس والقمر والليل والنهار، وأعطاهم مقومات حياتهم، ومع ذلك لا ينظر إلى ذنوبهم وتقصيرهم في حقه تعالى لأنه الغفار، ويعفو عن كثير. وهذا المعنى أوضحه الحق سبحانه في موضع آخر، حين نتأمله نجد فيه عجبا، إنه قول الله تعالى