تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39.73

هنا أيضا ساقتهم الملائكة مع الفارق بين سوق الكافرين وسوق المتقين، فالكافرون ساقتهم الملائكة ليعجلوا لهم العذاب سوقا فيه زجر وقسوة، أما المتقون فيساقون سوق المحب لحبيبه ليعجلوا لهم النعيم. وقوله زمرا يعني: جماعات كل جماعة على حدة، فهؤلاء الزهاد وهؤلاء العلماء وهؤلاء المجاهدون وهؤلاء الأمناء ﴿ حتى إذا جآءوها وفتحت أبوابها.. ﴾ [الزمر: 73] هناك قال فتحت وهنا وفتحت قالوا في أهل النار فتحت هي جواب الشرط، أما هنا وفتحت ليست جوابا للشرط، بل جواب الشرط في النعيم المذكور بعدها، لأن فتح الأبواب ليس هو الغاية، إنما الغاية ما يتبع ذلك من النعيم. فالواو هنا عاطفة وجملة ﴿ وفتحت أبوابها.. ﴾ [الزمر: 73] معطوفة على ﴿ حتى إذا جآءوها.. ﴾ [الزمر: 73] ذلك لأن المؤمنين ما كانوا يشكون في هذا اليوم، أما الكفار فيشكون فيه لذلك جعل

فتحت أبوابها..

[الزمر: 71] جوابا للشرط قبلها. أما في المتقين فجواب الشرط أسمى من مجرد فتح الأبواب لهم، ففتحت هذه مداخل الرحمة التي سيذكرها بعد، ويذكر مكوناتها، وكيف أنها تتدرج بداية من تحية الملائكة لهم: ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم.. ﴾ [الزمر: 73] لأنكم طهرتم أنفسكم من دنس المعاصي والشرك ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] إلى آخر السورة، حيث يرون الملائكة حافين من حول العرش، وهذا هو جواب الشرط الذي يليق بهم. جماعة أخرى من العلماء قالوا: إن جواب الشرط هو وفتحت والواو هذه واو الثمانية، فما المراد بواو الثمانية؟ قالوا: كان منتهى العدد عند العرب سبعة، فإذا جاء شيء بعد السبعة يعدونه كلاما جديدا فيعطفونه بالواو، ومن ذلك قوله تعالى في أهل الكهف:

سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم..

[الكهف: 22] فقبل الثامن يذكر الواو. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:

التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين

[التوبة: 112] فكلمة الناهون هي الثامنة لذلك سبقت بالواو. وقال بعضهم: إن من ذلك قوله تعالى في سورة التحريم:

عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا

[التحريم: 5]. نعم كلمة أبكارا هنا هي الثامنة، لكن الواو جاءت هنا للفصل بين الاثنين، فالثيبات لا يكن أبدا أبكارا. إذن: فهذه الآية لا يحتج بها في هذا الموضوع، إنما يحتج بآية الكهف وآية التحريم، على أن العدد سبعة هو منتهى العدد عند العرب، وكذلك العدد ألف. لذلك لما وقعت ابنة كسرى في الأسر وذهبت لتفدي نفسها، فقالوا لمن أخذها في حصته: كم تطلب فيها؟ قال: ألف دينار، فقالوا له: إنها بنت كسرى.

يعني: كان بإمكانك أن تزيد على ذلك فقال: والله لو كنت أعلم أن وراء الألف عددا لقلته. ونحن لا نرى هذا الرأي، فكلمة وفتحت ليست هي جواب الشرط هنا، لأن جواب الشرط بالنسبة للمتقين أسمى من فتح الأبواب لهم وأسمى من قول الملائكة لهم ﴿ سلام عليكم.. ﴾ [الزمر: 73] وأسمى من ﴿ طبتم فادخلوها خالدين ﴾ [الزمر: 73] لأن الحق سبحانه سيقول بعد ذلك:

وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم..

[الزمر: 75] فذكر العرش هنا والملائكة تطوف به مسبحة بحمد ربهم فيه إشارة إلى منتهى النعيم الذي سيلاقيه المتقون، حيث يرون الحق سبحانه الذي استوى على هذا العرش، هذه هي الغاية التي يناسب أن تكون جوابا للشرط السابق. لكن لماذا أخفى الله جواب الشرط هكذا؟ قالوا: لأنه لو قالها أي:

" فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر "

لو قالها الآن لكانت قد سمعت، إنما أراد سبحانه أن تكون مفاجأة على أنها مما لا يخطر على قلب بشر، يعني: لا تأتي على البال. فمثلا في فاكهة الجنة يأتي لي بالفاكهة التي أعرفها كالتفاح والمانجو مثلا نحن نعرفها في الدنيا، لأنه لو أتى بفاكهة جديدة لم نعرفها في الدنيا لقلنا: لو كانت في الدنيا لكانت مثل هذا شكلا وطعما، لذلك تأتي الفاكهة مما نعرفه في الدنيا، لكن بمواصفات أخرى يتحقق فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. إذن: التفاضل يأتي من كونها في الجنة، ثم لو جاءت لي الفاكهة في الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فكيف لو جاءت للمرة الثانية؟ لا بد أنني سأكون قد رأيتها من قبل وخطرت على بالي، فحين أرى المانجو مثلا أقول: أنا أكلتها قبل ذلك. قالوا: لا بل ستكون على هيئة أخرى، ولون آخر، وطعم آخر غير الذي أكلته في المرة الأولى، وهكذا يتحقق في نعيم الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. لذلك يقول تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥١٣١