39.39-40
هنا تأمل هذا النداء: ﴿ يقوم ﴾ [الزمر: 39] فبعد عنادهم وإصرارهم على باطلهم وعدم قبولهم للحجج والبراهين ما يزال الحق سبحانه يتحنن إليهم، فيأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يناديهم بهذا النداء الحبيب: يا قوم يعني: أنا لست غريبا عنكم، وأنتم أهلي وعشيرتي التي أعيش بينها. لما دعاهم رسول الله فلم يستجيبوا ولم تفلح معهم الحجج والبراهين التي تثبت بطلان عبادتهم للأصنام، أمره ربه أن يقول لهم: ﴿ يقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل.. ﴾ [الزمر: 39] معنى: اعملوا على مكانتكم كما تقول لمن لم يستجب لك: اعمل ما بدا لك. أو أعلى ما في خيلك اركبه. فالمعنى: اعملوا على مكانتكم. يعني: خذوا كل إمكانياتكم ضدي. لماذا؟ لأنه متوكل على ربه وهو كافيه، فهو لا يقولها مجازفة ولا استكبارا، إنما يقولها برصيد من قوله تعالى:
أليس الله بكاف عبده
[الزمر: 36]. وكلمة ﴿ مكانتكم ﴾ [الزمر: 39] عندنا مكان ومكانة، المكان هو: الحيز الذي يشغله الشيء. والمكين هو: الذي يشغل المكان، فالكوب مثلا مكان والماء فيه مكين، فأنت ذاتك لك مكان تشغله حتى لو اضطهدك أحد فأخرجك منه لا بد أن يذهب بك إلى مكان آخر. فإذا اتسع بك هذا المكان وصارت لك سلطة على مكان أوسع منه لك فيه سلطان وأمر ونهي فهذه مكانة، فيقال لمن اتسع جاهه وسلطانه: له مكانة. فالتاء الزائدة هنا يسمونها تاء المبالغة. كما نقول في المبالغة في العلم عالم وعلام وعلامة. فكلمة علامة هي قمة العلم وتقال لمن بلغ في مجاله مبلغا بحيث لا يخفى عليه منه شيء. فإن قلت: فلماذا وصف الحق نفسه سبحانه بعلام، ولم يوصف بعلامة؟ نقول: لأن علم الله تعالى لا تفاوت فيه، ليس فيه جزئي وكلي، فلا يوصف الحق سبحانه بهذه الصفة. ومن المكانة قوله تعالى في قصة سيدنا يوسف عليه السلام:
وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشآء
[يوسف: 56] أي: لم نجعل له مكانا، إنما جعلنا له مكانة وسلطانا واسعا ينقله هنا وهناك حيث يشاء، والإنسان يكون له مكان فتأتي قوة تمكنه في المكان، كما في قصة سيدنا يوسف عليه السلام، وقد يكون له المكان فتأتي قوة فتزيله عنه كما أخذني ورماني في زنزانة. وسبق أن قلنا: إن في اللغة همزة تسمى همزة الإزالة، إذا دخلت على فعل تزيله، كما تقول: أعجم الكلام، يعني: أزال عجمته وأبان معناه، ومن ذلك قول رسول الله في مناجاته لربه:
" لك العتبى حتى ترضى "
يعني: إن كان حصل منه شيء يغضبك فأنا أزيل عتابك علي حتى أبلغ رضاك عني. ونقول: عتب فلان على فلان فأعتبه يعني: أزال عتابه بأن يعتذر له أو يصالحه، لأن العتب لوم على شيء ما كان يصح بين المحبين ومن ذلك قوله تعالى في الكلمة التي معنا المكانة:
وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم
[الأنفال: 71]. فمعنى أمكن منهم يعني: أزال مكانهم، ونقول: فلان تمكن من فلان. يعني: قدر عليه وأزاله عن مكانه أو مكانته. إذن: فكلمة المكانة هي ما لك عليه سلطان وولاية تعينك على مرادك، فالمكان إذا بالغت فيه فهو مكانة والتاء للمبالغة، وتأتي أيضا للجاه ينبسط على ما لا يدخل في ملكك تصرفا، وإنما يدخل في ملكك مهابة لذلك لما قتل مالك قالوا: مالك كان يحمي مواقع السحاب. يعني: أينما تمر السحابة وتمطر فمطرها يحميه مالك، بحيث لا يتعدى عليه أحد، وما كان هذا إلا لمكانته في القوم فحمى مواقع السحاب في غير بلاده. وقوله: ﴿ إني عامل ﴾ [الزمر: 39] يعني: أنتم اعملوا على مكانتكم واستطاعتكم في العناد والاضطهاد والإيذاء، فأنا عامل على مكانتي من الدعوة والنصح لكم والحرص على هدايتكم، فهذه رسالتي ولن أتخلى عنها، وسوف أبالغ في نشرها وأتحمل اضطهادكم لي ولأصحابي، ولن يثنيني شيء عن مرادي. وقوله: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ [الزمر: 39] المعلوم هنا: ﴿ من يأتيه عذاب يخزيه ﴾ [الزمر: 40] أي: في الدنيا ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ [الزمر: 40] أي: في الآخرة، وتأمل هنا كلمة سوف التي تدل على الاستقبال، فلم يقل حالا الآن، لأن الإسلام بدأ غريبا وانتشر أول ما انتشر بين الضعفاء والعبيد الذين اضطهدوا وماتوا وأوذوا وأخرجوا من ديارهم وأموالهم في سبيل دعوة الحق. فأراد الحق سبحانه أن يمحص أهل الإيمان الذين يحملون هذه الدعوة، وأن يميز منهم ضعاف العقيدة، وينفي عنهم أهل الخور والنفاق الذين لا يصلحون لحمل هذه الرسالة، لذلك كان الوحي كل فترة ينزل على رسول الله بأمر عزيز، وكلما نزل أمر من هذه الأمور نفى بعضهم حتى لم يبق حول رسول الله إلا صحاح الإيمان أقوياء العقيدة. وفي هذه الآية تهديد من رسول الله للقوم المكذبين بأحداث سوف تأتي، هذا التهديد دليل على ثقته صلى الله عليه وسلم بأن من أوحى إليه بهذا التهديد قادر على أن يبرزه كما أخبر به، وإلا لما قاله رسول الله، لأن الزمن سيكشف صدق هذا التهديد أو عدم صدقه. كذلك الأمر في الوعد يخبر به رسول الله قبل أوانه، واقرأ هذا الوعد مثلا: