تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17]. وسبق أن ضربنا مثلا لذلك قلنا: إن رجل المرور الذي يقف على مفترق الطرق ينظم المرور ويرشد الناس، فحين تسأله أين الطريق إلى الأسكندرية مثلا يقول لك من هنا، فتتوجه إلى حيث أرشدك، وقبل أن تفارقه قلت له: جزاك الله خيرا، لقد كدت أضل الطريق، وأذهب من هنا ومن هنا، لولا أن الله يسر لي أن أقابلك، فقال لك: والله أنت رجل طيب تستحق كل خير، لكن في هذا الطريق منطقة خطر سأركب معك حتى أساعدك في المرور منها. إذن: لما أطعته في الإرشاد الأول زادك بالمعونة والمساعدة، كذلك الحق - سبحانه وتعالى - من يستجيب لهداية الدلالة والإرشاد فيؤمن يزيده هداية أخرى، هي هداية التوفيق والمعونة. والكاذب الكفار هو الشديد الكفر الذي لا ينتفع بإرشاد، ولا هداية.

39.4

تحدثنا هذه الآية عن نوع آخر من الشرك، فهؤلاء لم يعبدوا الأصنام ولا الشمس ولا القمر، إنما اتخذوا أشياء أخرى يرون بينها وبين الله تعالى صلة، كما نقول من ريحته، ورأوا أن ذلك أخف وأهون من عبادة الأصنام، هؤلاء كالذين قالوا عزير ابن الله، والذين قالوا المسيح ابن الله، أو الملائكة بنات الله.. الخ فرد الله عليهم: ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء ﴾ [الزمر: 4] يعني: هذه مسألة لا دخل لكم فيها ولا اختيار، لا تختاروا أنتم لله ولدا لأن الله تعالى لو أراد ذلك - على فرض - لاختار من خلقه ما يشاء هو، لا ما تختارون أنتم. لذلك خاطب الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

قل إن كان للرحمن ولد

[الزخرف: 81] أي: من اختياره ويخبر هو به

فأنا أول العابدين

[الزخرف: 81] يعني: أول المصدقين المؤمنين به، فهو على العين والرأس، إنما هذا أمر لم يخبر الله به، وإنما نفاه عن نفسه سبحانه. وقد ورد في الحديث:

" الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليه أرأفهم بعياله "

إذن: فالبنوة ليست لله تعالى، وحتى في بنوة الرسل لم يجعلها الله بنوة دم، ولا بنوة أبدان، إنما بنوة أديان، وأوضح مثال على ذلك سيدنا نوح - عليه السلام - وولده. لما أبى الولد وعصى أمر أبيه أيقن الوالد أنه من الهالكين، فدعا الله:

فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين

[هود: 45] لكن عدل الله له معنى البنوة، فقال سبحانه:

قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح

[هود: 46] فسيدنا نوح ظن أن البنوة بنوة نسب، لكن بنوة الأنبياء بنوة اتباع. والحرف لو في ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا ﴾ [الزمر: 4] حرف امتناع لامتناع، وهو من أدوات الشرط يفيد امتناع وقوع الجواب لامتناع وقوع الشرط، فالحق سبحانه لم يتخذ ولدا لأنه لم يرد ذلك، ولو أراده لكان ما يريد. وفي موضع آخر، يناقش الحق سبحانه أصحاب هذا الافتراء، يقول لهم بالمنطق

أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة

[الأنعام: 101]. ثم لماذا يتخذ الولد؟ يتخذ الولد ليكون عزوة لأبيه أو امتدادا له بعد موته، والحق - تبارك وتعالى - هو الغني العزيز عن خلقه، وهو الدائم الباقي فلماذا يتخذ الولد؟ والذين نسبوا لله تعالى الولد في العصور المتأخرة من الديانات، كالذين قالوا: المسيح ابن الله، فهل كان الله تعالى منذ خلق هذا الكون بلا ولد إلى أن جاء عيسى فاتخذه الله ولدا. وبعد أن أخذ عيسى من الوجود أظل الله تعالى هكذا غلبان مقطوع من شجرة بلا ولد؟ كيف يستقيم لكم هذا الادعاء؟ إنها مسألة لا تصح أبدا في حق الله تعالى، فالله لا يحتاج إلى عزوة، ولا يحتاج لمعونة الولد، لأن الله تعالى خلق الخلق كله من ألفه إلى يائه، خلقه بكامل قدرته، وبصفات الكمال فيه، فلم يزده الخلق شيئا ولا صفة لم تكن له من قبل.

لذلك يقول بعض أهل الشطح في هذه الآية: ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء ﴾ [الزمر: 4] يقول: لو كان للرحمن ولد كنت أنا أولى أن أكون ولده لأنني أول العابدين. ثم يذيل الحق سبحانه هذه الآية بما ينزه الله عن هذا الافتراء: ﴿ سبحانه هو الله ﴾ [الزمر: 4] يعني: سبحه ونزهه عن هذه المسألة، فإنها لا تليق به سبحانه، ونزهه أن يشابه شيئا من خلقه، حتى لو وقفت أمام مسألة لا يدركها عقلك قل سبحان الله كما قال الله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٤٢