تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

. } [الزمر: 38] أي: في إيجاد النافع في خلق السماوات والأرض، وحسبي الله في دفع الضر عني، فهو يكفيني. وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة:

أليس الله بكاف عبده

[الزمر: 36] كافيه يعني: يعطيه النعمة نعمة الوجود أولا، ثم نعمة امتداد هذا الوجود واستبقاء الحياة، ثم نعمة استبقاء النوع، وبعد ذلك يرفع عنه الضر إن أصابه ونزل به، والإنسان إذا مسه الضر في نفسه لا يتجه إلى إله باطل أبدا، لأنه لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، لذلك قال سبحانه:

ضل من تدعون إلا إياه

[الإسراء: 67]. وقوله: ﴿ عليه يتوكل المتوكلون ﴾ [الزمر: 38] هنا أسلوب قصر، يقصر التوكل على الله وحده، وهذا هو التوكل الحقيقي لأن المتوكل على شيء يجعل لقوته رصيدا إذا ذهبت هذه القوة، لذلك فالعاقل هو الذي يتوكل على من يغيثه ويعينه وإذا احتاج إليه وجده، وقلنا: خاب من توكل على مثله لأنك تتوكل عليه، وتأمل عنده قضاء حاجاتك، وبعد أيام تقرأ نعيه في الجرائد، لذلك يعلمنا ربنا سبحانه كيف نتوكل، فيقول:

وتوكل على الحي الذي لا يموت

[الفرقان: 58]. وفرق بين التوكل والتواكل لأنه يد الله مدت قديما بالأسباب للخلق، أسباب استبقاء الحياة بالطعام والشراب، وأسباب استبقاء النوع بالتزاوج. الحق سبحانه حينما ضمن لنا هذه الأسباب جعل لنا دورا فيها، فالأرض مثلا أمامك، والشمس تشرق عليها، والهواء يهب عليها، والمطر يسقيها، وعليك أنت أن تستغل هذه الأسباب بأن تحرث الأرض وتبذر البذور وترعاها لتعطيك الأرض من خيراتها، ولا تنتظر أن تجلس في بيتك والأسباب تأتيك بالطعام تضعه على مائدتك لأن ربك خلقك وخلق لك الجوارح، وجعلها تنفعل لإرادتك فيدك يمكن أن تضرب بها، ويمكن أن تمسح بها على رأس يتيم، لسانك يمكن أن تنطق به كلمة التوحيد، ويمكن أن تنطق به ما ينافيها. لكن تذكر أن جوارحك خاضعة لمرادك في الدنيا فقط، أما في الآخرة فلا ولاية لك عليها، لأنها ستكون في ولاية خالقها، يوم يقول سبحانه:

لمن الملك اليوم

[غافر: 16] وعندها تتحرر جوارحك من ولايتك وتشهد عليك:

يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون

[النور: 24]. هذه الأسباب وهذه الجوارح التي خلقها الله لك ما خلقها لتعطلها أنت، فإن كان العمل في إمكانك وطلبته من غيرك، فهذا هو التواكل، أن تهمل أسباب الله وتغفل عن هذه المملكة التي جعلها الله تدين لك وتطاوعك، وتأتمر بأمرك لمجرد الإرادة، هذه عزة متعك الله بها في ذاتك، فكيف تذل نفسك بالتوكل على مثلك؟ وكيف ترد يد الله الممدودة إليك؟ فإن أخذت بالأسباب، وأعملت عقلك وجوارحك فيما أعطاه الله لك فأنت متوكل، وحقيقة التوكل أن تعمل بالجوارح وتتوكل على الله بالقلب، وتوقع أن يصيبك الابتلاء فتعمل وتأخذ بالأسباب ولا تعطيك، كالذي يزرع الأرض وتأتي جائحة فتقضي على المحصول مثلا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٨٦