سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] هذا وعد من الله للمؤمنين جاء في أشد وأحلك الظروف وهم مضطهدون لا يستطيعون حماية أنفسهم، لذلك لما نزلت هذه الآية قال عمر رضي الله عنه: أي جمع هذا ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ فلما رآها في بدر قال: صدق ربي وصدق رسوله، وهذا الوعد لا يطعن في الدعوة إنما يريد أن يؤكدها.
إذن: صدق في الوعد، وصدق في الوعيد. وقلنا: إن صدق الرسول في أمور تتعلق بأمته شيء، وصدقه فيما يتعلق بذاته شيء آخر، صدقه فيما يتعلق بذاته آكد، وذكرنا قصة المرأة التي أسلمت حينما قرأت تفسير قوله تعالى لرسوله:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67] فلما أعطاه ربه الأمان وأنه لن يغتال من جانب الناس صرف صلى الله عليه وسلم حراسه ولم يبق عليهم مع هذا الوعد، فوقفت هذه المرأة وقفة عقلية وقالت: لو أنه خدع الناس جميعا ما خدع نفسه، إذن: هذه ثقة من رسول الله بوعد الله. وقوله تعالى: ﴿ فسوف تعلمون ﴾ [الزمر: 39] ولم يقل ترون أو تنظرون لأن العلم أوسع وأعم من النظر، فالأحداث التي ستأتي ربما تكون بعيدة من مرآهم تحدث في أماكن أخرى يراها البعض ولا يراها البعض، أما العلم فينقل إليك ما تقع عليه جوارحك، وما تقع عليه جوارح الآخرين. إذن: بالعلم تأخذ علم الغير، أنت حينما ترى وتعقل تهتدي إلى الحكم بتصور العقل، وبالعلم تستفيد بما عقله الآخرون. إذن: فالعلم أوسع دائرة من معطيات العقل والجوارح. وقوله: ﴿ ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ [الزمر: 40] كلمة مقيم جاءت لترد على كلام سبق أن قالوه هم، لأن الحروب عندهم كانت تستمر طويلا حتى أربعين سنة، وتكون بينهم سجالا يوم لك ويوم عليك، فربما ظنوا العذاب كذلك فترة وتنتهي، فأراد أن يؤكد لهم أن العذاب إذا حل بهم فليس فيه سجال كسجال الحرب، إنما هو مقيم دائم.