تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووجدك ضآلا فهدى

[الضحى: 7] لأن النبي رأى أمته تفعل أشياء لا تعجبه، وهو ما يزال لا يعرف الصواب الذي ينبغي فعله، أي: لا يعرف الحقيقة، لا أنه يعرف ومنصرف عنها، وفرق بين الحالتين. إذن: الضلال هنا غير مقصود. ويأتي الضلال بمعنى النسيان، كما في قوله تعالى: ﴿ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ [البقرة: 282]. ومن الضلال أن ننسى العهد الفطري القديم الذي أخذه الله علينا في قوله سبحانه:

وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى

[الأعراف: 172]. ومقابل الضلال الهداية، وهي أيضا تأتي بمعان متعددة، لكن الذين يتوركون على كلام الله، ويريدون أن يعترضوا عليه يأخذونها على معنى واحد، يديرونه على كل موضوعاتها، لكن هذا لا يصح. فالهداية تطلق على الدلالة المطلقة، يعني يدلك وأنت حر تطيعه أو تعرض عنه.

وضربنا مثلا لذلك برجل المرور الذي يرشدك ويدلك على الطريق، بعدها أنت حر تسلك أو لا تسلك، فإن سلكت الطريق الذي دلك عليه وشكرته على معروفه، وقلت له: كثر الله خيرك لولاك لضللت الطريق، فإنه ينظر إليك نظرة أخرى، ويراك أهلا للمزيد من الخير. فيقول لك: والله أنت رجل طيب، وسوف أسير معك حتى تمر من هذه المنطقة لأن فيها أخطارا، وهذه تسمى المعونة، فالذي يؤمن بمن هدى ودل أهل لأن يعان، وأن يوفق للمزيد من الهداية. وهذا معنى قول الله تعالى:

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17] يعني: زادهم بمعونتهم وتخفيف مشاق الطاعة عليهم، وصرف أسباب الشر عنهم. إذن: فالأولى: هداية دلالة مطلقة. والثانية: هداية إعانة وتوفيق. وهاتان الهدايتان أوضحهما الحق سبحانه في خطابه لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال في الأولى:

وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم

[الشورى: 52] وقال في الأخرى:

إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء

[القصص: 56] فكيف يثبت الهداية لرسول الله في آية وينفيها في آية أخرى، والحديث واحد، والفاعل واحد؟ قالوا: لأن الجهة منفكة فالهداية المنفية غير الهداية المثبتة، فالحق يقول لنبيه محمد: أنت مبلغ ومرشد ودال فحسب، لست واضع مناهج وليست لك قدرة على أن ترغم الناس أن يؤمنوا، إنما عليك أن تبلغ لأن بلاغك هو هداية الله للناس، لكن ليست مهمتك أن تدخل الإيمان في القلوب. ومثلها قوله تعالى في آية واحدة:

.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..

[الروم: 6-7]. هكذا أثبت لهم العلم ونفاه عنهم في نفس الآية، لماذا؟ لأن الجهة منفكة، فالعلم المنفي غير العلم المثبت. وقوله تعالى: ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ [الزمر: 36] يضلل الله يعني: ينسبه للضلال يقول: هذا ضال. يعني: خارج عن الطريق الذي رسمته له، هذا الذي حكم الله بأنه ضال لا يمكن أن يصفه صاحب عقل بأنه مهتد. لأنه حين يعرض مطلوب الله منه وما يفعله يصل بالعقل الفطري إلى أنه ضال، ليس بمهتد. فالحق سبحانه مثلا قال لنا: اصدقوا في حديثكم. ونهانا عن الكذب، فماذا يقول العاقل حين يقارن بين الصدق والكذب؟ لا بد أن يقول: الصدق هداية، والكذب ضلال لا يستطيع أن يقول غير ذلك، خاصة إذا جعل الأمر في نفسه هو: أتحب أن يصدق الناس معك، أم أن يكذبوا عليك؟ إذن: فمن يضلل الله ويحكم بأنه ضال بعد أن بين له الطريق لا يقدر أحد أن يصفه بالهدى، لأن هداية الله أمر تتفق فيه كل العقول الفطرية، خصوصا إذا مسك أنت عاقبة هذا الضلال واكتويت بناره. لذلك تجد الكذاب يحب الصادق، والشرير يحب الخير الشريف وضربنا مثلا لذلك بثلاثة من الشباب بالمراهقين الذين يسيرون في الحياة على حل شعرهم، ويسلكون الطريق البطال، واحد منهم تاب الله عليه واعتزلهم، فراحوا يسخرون منه ويصفونه بالجردل والقفل.. الخ. ثم أراد واحد منهما أن يزوج أخته، لمن يزوجها لزميله الذي يوافقه على الشر والفساد، أم للآخر الذي تاب واعتزل شرهم؟ إذن: قد يغريك الباطل، لكن لا بد في النهاية أن يغلب الحق، وأن يظهر ويعلو، ﴿ أليس الله بعزيز ذي انتقام ﴾ [الزمر: 37] فاصبر على طريقه.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٨٤