كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 17-19]. ولم يقل هنا حق معلوم لأن الحق المعلوم هو الزكاة، أما في هذا المقام فالعبد يزكي ماله، ثم يزيد على ذلك ما شاء من التطوع والصدقات، وهذه الزيادات ما طلبها منك ربك، إنما تؤديها محبة وتقربا إليه سبحانه. إذن: كلمة الإحسان عند الله فيها نفس معنى الإحسان للناس. تقول: أحسنت إلى فلان حين تعطيه أكثر من حقه. وحين يجازي الله المحسن إنما يعطيه جزاء إحسانه، فإذا كان العبد يحسن فالله أولى وأكرم. والحق سبحانه أعطانا المثل الحسي للإحسان في الأرض، وما تخرجه من ثمراتها فأنت تضع فيها حبة القمح مثلا، فتعطيك في المقابل سبعمائة حبة، فإذا كان هذا هو عطاء الأرض المخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء الخالق سبحانه؟ فالمعنى: ﴿ لهم ما يشآءون عند ربهم ﴾ [الزمر: 34] لماذا؟ لأنهم كانوا محسنين، وهذا جزاء الإحسان. وقوله: ﴿ ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ﴾ [الزمر: 35] هذا أيضا من العطاء الخاص بدرجة الإحسان، فكلمة أسوأ تدل على المبالغة وأقل منها السيئة، فعندنا سيئة وأسوأ منها، ولا شك أن السيئة تنصرف إلى الصغائر، والأسوأ تنصرف إلى الكبائر، فكأن الذي دخل في مقام الإحسان ضمن أن مقام الإحسان يكون له مثل مقاصة تسقط عنه ذنوبه، ليست الصغائر فحسب إنما الكبائر أيضا لأن الذي يكفر الأسوأ يكفر السيئة من باب أولى، هذا لأنك أدخلت نفسك في مقام لم يطلب منك لمجرد المحبة لمن كلفك.
بل هناك عطاء أعظم من ذلك، هو أن المسألة لا تنتهي عند تكفير الذنوب والسيئات، إنما تبدل إلى حسنات، كما قال سبحانه:
فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات..
[الفرقان: 70]. فتأمل درجات العطاء من الله، والربح في التجارة معه سبحانه. وبنفس الإكرام والتفضل يجازي الله المحسنين على حسناتهم ﴿ ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ﴾ [الزمر: 35] فكما غفر لهم الأسوأ يجازيهم أحسن الذي كانوا يعملون، أي: بأحسن من عملهم. هذا العطاء من الله، وهذا التكرم والتفضل منه على عباده شجع الشارد من دعوة الإيمان وحثه على العودة إلى حظيرة الإيمان، فليس هناك ما يحول بينه وبين ربه، وليس في الطريق حجر عثرة مهما كثرت الذنوب ما دام باب التوبة مفتوحا. والحق سبحانه حينما شرع التوبة للعاصين المذنبين شرعها لينقذهم من شراسة المعصية، فلو قلنا للعاصي: ليس لك توبة ماذا يفعل يفقد كما نقول: فلان ده فاقد. يعني: يئس من الإصلاح فتمادى في الفساد وبالغ في الضلال، والحق سبحانه لا يريد لعباده ذلك، ففتح لهم باب التوبة ليعطفهم إلى دين الله، فلا يزداد الانحراف في المجتمع، ولا تستشري فيه المعصية. بعد أن أخبر رسول الله القوم بهذا المنهج الإلهي في الجزاء قال المعاندون لرسول الله: نخاف عليك يا محمد أن تمسك آلهتنا بسوء وقد أغضبتها، سبحان الله يقولون هذا وهم يعلمون أنها حجارة لا تضر ولا تنفع، ولما مسهم الضر ما وجدوا غير الله يلجئون إليه ولذلك نزل قوله تعالى: ﴿ أليس الله بكاف عبده... ﴾.