تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز..

[آل عمران: 185]. لذلك قال بعدها: ﴿ فبشر عباد ﴾ [الزمر: 17] أي بهذه البشرى السارة ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ [الزمر: 18] القول لا بد أن يكون من قائل، فإذا استمعوا القول من قائل يتبعون أحسن ما قيل، وأن ما قيل يكون من أحسن قائل، وإذا نظرنا إلى أحسن قائل لا نجد إلا الحق سبحانه وتعالى، فإذا أمر الله بحكم فاتبعوه فقوله أحسن القول، وأمره أنفع أمر. والحق سبحانه لا يستفيد من أوامره لكم، ولا تضره معصيتكم، فأنتم إذن المنتفعون بالمنهج، المستفيدون من تنفيذه، ثم أنتم خلق الله وصنعته، ويعز عليه سبحانه أن تنحرف هذه الصنعة أو تعذب. ثم يريد سبحانه من منهجه وشرعه أن يديم عليكم عطاءه ونعمه، وأن تكون نعمة الدنيا موصولة لكم بنعمة الآخرة، لذلك قال عنهم في الحديث القدسي:

" لو خلقتموهم لرحمتموهم ".

أو: أحسن ما قيل يعني الإسلام، فالإسلام جاء والناس أصناف شتى: كفرة لا يؤمنون بإله، ومشركون يؤمنون بإله معه غيره، وأتباع ديانات كان لها كتب ورسل سابقون كاليهود والنصارى. فهؤلاء الذين عاصروا الإسلام إن يستمعوا يستمعوا لقول هذا وقول ذاك، يستمعوا للكفار والملاحدة وللمشركين ولأصحاب الكتب السابقة. فكأن الحق سبحانه يقول: اعرضوا هذه الأقوال على عقولكم، واختاروا أحسنها ولا تتعصبوا لقول دون أن تبحثوه وتقارنوه بغيره، فإن فعلتم ذلك وإن توفرت لكم هذه الموضوعية فلن تجدوا إلا الإسلام أحسن الأقوال والأولى بالاتباع، فهو الدين الذي جمع للناس كل خير، ونأى بهم عن كل شر. وهو الدين الذي جاء مهيمنا على جميع الأديان قبله، وكتابه المهيمن على كل الكتب قبله، وجاء الإسلام دينا عاما في الزمان وفي المكان لذلك هو الدين الخاتم الذي لا دين بعده، ولا كتاب بعد كتابه، ولا رسول بعد رسوله. ودين هذه صفاته لا بد أن يكون قد استوفى كل شروط الكمال، كما قال سبحانه:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا..

[المائدة: 3] فالإسلام إذن أحسن الأديان، وأحسن الأقوال، وأحسن ما نتبعه. ثم تستمر الآيات في وصف المؤمنين الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، والذين أنابوا إلى الله والذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴿ أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب ﴾ [الزمر: 18] هداهم يعني دلهم وأرشدهم، فلما اتبعوا دلالته وإرشاده ولم يكن في نفوسهم عناد لهذه الدلالة أعطاهم هداية التوفيق والإيمان فآمنوا. وقلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة، وهداية المعونة. وبينا ذلك كما سبق برجل المرور الذي تجده على مفترق الطرق يدل الناس ويرشدهم، فإن دلك على الطريق فأطعته وشكرته على معروفه زادك، وسار معك حتى لا تؤذيك عقبات الطريق لأنه وجدك أهلا لأن تعان فأعانك.

كذلك الحق سبحانه يعطي عبده هداية الدلالة والإرشاد، وهذه للمؤمن وللكافر، فمن أطاع في الأولى أخذ الثانية، وهي هداية المعونة، وهذه للمؤمن دون الكافر، فكأن الله تعالى يقول لعبده المؤمن: أنت آمنت بي، وسمعت كلامي، وأطعت فسوف أعينك على الطاعة، وأخفف أمرها عليك، وأعسر عليك أمر المعصية. وهذه من أعظم نعم الله على العبد أن ييسر له أمر الطاعة، ويعينه على مشقاتها، وفي المقابل يقفل دونه أبواب المعصية ودواعيها. وهذا معنى قوله تعالى:

والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم

[محمد: 17]. فمعنى زادهم هدى يعني: أعطاهم هداية المعونة على الإيمان. وقوله: ﴿ وأولئك هم أولوا الألباب ﴾ [الزمر: 18] أي: أصحاب العقول المفكرة المعتبرة، لأنهم نشروا أمامهم كل الأقوال، وبحثوها وقارنوا بينها، وأخذوا أحسنها الذي يحقق لهم السعادة والمصلحة والانسجام في حركة الحياة بلا تعاند، بل حركة مستقيمة متساندة تنفي من القلوب: الحقد والغل والحسد، وتمنع الانحراف من: سرقة وغش ورشوة واغتصاب.. إلخ. فمن يصادم مثل هذا المنهج؟ ومن يرفضه؟ إنه منهج مستقيم لا يملك العقل السليم إلا الإذعان له والسير على هديه، لذلك سمى الله هؤلاء الذين اختاروا هذا المنهج سماهم ﴿ أولوا الألباب ﴾ [الزمر: 18] أي أصحاب العقول، والعقل مهمته أن يعقل الفكر فلا يشطح، بل يعرض المسائل ويختار من البدائل ما يصلحه، لكن آفة الرأي الهوى، فالهوى هو الذي يصرفك عن مقول العقل إلى مقول الهوى. قول آخر يقول: المراد بقوله تعالى ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ [الزمر: 18] أنه خاص بمن يستمعون أقوال الإسلام، فيتبعون أحسن هذه الأقوال لذلك جاء بصيغة التفضيل أحسن فكأن في الإسلام قول حسن و أحسن، فهذا الرأي لا يأخذ المسألة على العموم، إنما يجعلها خاصة بأقوال الإسلام، وهي كلها متصفة بالحسن، لكن منها حسن وأحسن، وأصحاب العقول المتأملة يختارون منها الأحسن. ومثال ذلك: شرع الإسلام مثلا القصاص من القاتل وشرع الدية عليه، وشرع أيضا العفو، فقال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٦١