تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طال ليلي ولم أنم

ونفى عني الكرى طيف ألم

وقال آخر لما اجتمع شمله بمن يحب:

يا ليل طل يا نوم زل

يا صبح قف لا تطلع

والآخر جمع الحالين معا، أظنه البحتري حين قال:

ودع الصبر محب ودعك

ذائع من سره ما استودعك

يقرع السن على أن لم يكن

زاد في تلك الخطى إذ شيعك

يا أخا البدر سناء وسنا

حفظ الله زمانا أطلعك

إن يطل بعدك ليلي فلكم

بت أشكو قصر الليل معك

والليل يقابله النهار، لذلك يقول سبحانه:

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون

[القصص: 71-72]. فجعل الليل مقابل النهار، وتلحظ هنا دقة الأداء القرآني، لأن المتكلم رب والأداء أداء إلهي، فلما تكلم عن الليل ذيل الكلام بقوله:

أفلا تسمعون

[القصص: 71] ولما تكلم عن النهار ذيل الكلام بقول:

أفلا تبصرون

[القصص: 72] ذلك لأن السمع وسيلة الإدراك بالليل حيث لا رؤية، أما في النهار فالبصر. وقد اضطر العلماء إلى البحث في علاقة اليوم بالليل والنهار، فقالوا: الحق يقول:

سيروا فيها ليالي وأياما آمنين

[سبأ: 18]. فجعل سبحانه اليوم مقابل النهار، لكن يوم الفلكيين غير هذا، فاليوم عندهم لا يحسب إلا من وقت إلى مثله في القادم، يعني: إن بدأت من العصر فاليوم إلى العصر القادم. ويقولون في التوقيت: صباحا ومساء، فلو استيقظت مثلا للسحور الساعة الثانية بعد منتصف الليل أقول: تسحرت الساعة الثانية صباحا، مع أنني ما زلت في الليل، وبالعكس أقول في النهار: الساعة الخامسة مساء، مع أنني ما زلت في النهار، هذا كله من اختلاف الفلكيين والشرعيين. ولكن اليوم اختلف في مدلوله في كثير من المواضع، فالحق سبحانه يقول في كتابه:

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا

[المائدة: 3] فأطلق اليوم على أي لحظة من لحظاته. وقال سبحانه:

وذكرهم بأيام الله

[إبراهيم: 5] والمراد بأيام الله الأيام التي تنسب إليها الأحداث، سواء أكانت نعمة أو نقمة، نقول مثلا يوم بدر، وكان يوم بدر نعمة للمؤمنين ونقمة على الكافرين. وإلى هنا انتهت الإجابة على سؤال الأخ السائل، ونعود إلى ما كنا بصدد الحديث عنه من قوله سبحانه: ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها.. ﴾ [الزمر: 17]. قلنا: الطاغوت هو الذي يطغى، ويبارك الناس طغيانه، ولا يصدونه عنه، والطاغوت جاءت هنا مؤنثة بدليل ﴿ أن يعبدوها.. ﴾ [الزمر: 17]، وفي موضع آخر جاء بصيغة المذكر في قوله تعالى:

يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به..

[النساء: 60]. وكلمة الطاغوت من الكلمات التي تطلق على: المفرد والمثنى والجمع مذكرا ومؤنثا، فنقول: هذا رجل طاغوت، وهذه امرأة طاغوت، وهذان طاغوت، وهؤلاء طاغوت. وهي هنا للجمع، بدليل قوله تعالى: ﴿ أن يعبدوها.. ﴾ [الزمر: 17] وهي مثل كلمة سبيل، نقول: هذه سبيل، وهذا سبيل. والطاغوت - كما قلنا: لا بد أن تكون له توجيهات، لذلك لا يطلق إلا على الطاغي من البشر أو من الجن، أما الملائكة فلم ترض أن تعبد من دون الله، كذلك يسمى الظالم طاغوتا. ونفهم من قوله تعالى: ﴿ وأنابوا إلى الله.. ﴾ [الزمر: 17] أي: رجعوا إليه، نفهم منها أنهم كانوا مع الله أولا ثم انحرفوا عنه، كيف؟ قالوا: لأن كل إنسان كان مع الله على فطرة الإيمان الأولى عندما أخذ الله الميثاق على الخلق جميعا فقال:

ألست بربكم قالوا بلى..

[الأعراف: 172] لكن منهم من ظل على هذا العهد وعلى هذه الفطرة السليمة، ومنهم من انحرف عنها ونسيها. لذلك كثيرا ما يقول القرآن وذكر أي: بالعهد الأول، فمعنى ﴿ وأنابوا إلى الله ﴾ [الزمر: 17] يعني: رجعوا إلى الإيمان الفطري وإلى العهد الأول، أو رجعوا إلى الله للجزاء يوم القيامة. وقوله سبحانه: ﴿ لهم البشرى ﴾ [الزمر: 17] البشرى الخبر السار الذي نخبر به قبل أوانه، والبشرى تنقسم إلى قسمين: إزالة عطب وألم، أو تحقيق مراد وأمل، فالذين اجتنبوا الطاغوت فلم يعبدوها وأنابوا إلى الله تحقق لهم الأمران معا، لأنهم أولا برئوا من النار وآلامها، ثم تحقق مرادهم بدخول الجنة كما قال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٦٠