وكلمة الظلمة نفهم منها عدة أمور. أولا: الظلمة تعني عدم وجود النور، وهي مرتبطة بالليل. ثانيا: الليل دائما رطب عن النهار لأن النهار فيه حرارة الشمس وحرارة الأنفاس الناشئة عن الحركة، أما الأنفاس في الليل فهادئة، لأنها لمجرد استبقاء الحياة، وليست ناشئة عن حركة العمل والجهد المبذول. ثالثا: كذلك في الظلمة سكون، وهدوء لا يتوفر في النهار. إذن: في الظلمة عدم نور، وفيها برودة، وفيها سكون، وهذه الأمور الثلاثة ضرورية لنمو الجنين، وتكون أعضائه في بطن أمه، لأنه في بطن أمه خلق ضعيف غير مكتمل الأعضاء والجوارح، لا يقوى على تحمل الحرارة، ولا تحمل الضوء، ولا تحمل الأصوات المزعجة، لذلك جعل له الخالق سبحانه عوازل تقيه هذه الأشياء، لذلك قال سبحانه: ﴿ في ظلمات ثلاث ﴾ [الزمر: 6]. والأقرب للصواب أن هذه الظلمات الثلاثة في الرحم وليس منها ظلمة البطن لأن الحق سبحانه يحدثنا عن القرار المكين الخاص بالجنين، فيقول: ﴿ في بطون أمهاتكم ﴾ [الزمر: 6] بيان للظرف العام الذي يقع فيه الظرف الخاص بالجنين وهو الرحم، فالبطن ظرف كبير يحوي الرحم والأمعاء والمعدة والكبد والطحال والبنكرياس.. إلخ لذلك حدد الظرف الخاص بالجنين فقال بعدها: ﴿ في ظلمات ثلاث ﴾ [الزمر: 6]. إذن: الظلمات الثلاث عبارة عن عوازل وأغشية تحمي الطفل، وكلها داخل الرحم، وإذا كان الإنسان المكتمل الناضج تزعجه الأصوات، وربما أتلفت طبلة أذنه مثلا، وتؤذيه الأضواء العالية، حتى لا يقوى نظره على مواجهتها، فهل يطيق الجنين مثل هذه الأشياء، وهو لم تكتمل أعضاؤه بعد؟ ومعلوم أن الطفل يولد بجلد رقيق لا يتحمل الحرارة، ويولد ولم تكتمل فيه بعض الأعضاء والجوارح، فالجهاز العصبي مثلا لا يكتمل إلا بعد عدة سنوات، والجهاز العقلي لا ينضج إلا بعد سن البلوغ، والعين لا تؤدي مهمتها في الرؤية إلا بعد ثلاثة أيام. فالجنين يحتاج إلى حماية لذلك جعله الله في ظرف داخل ظرف داخل ظرف، كما أنك تجعل أوراقك المهمة مثلا في ملف، والملف في الخزينة، والخزينة في غرفة، فقوله ﴿ في ﴾ دليل على العناية بهذا المخلوق، وتوفير ما يناسبه من الظروف المحيطة به. وقوله سبحانه: ﴿ ذلكم الله ربكم له الملك ﴾ [الزمر: 6] كلمة ﴿ ذلكم ﴾ [الزمر: 6] عبارة عن اسم الإشارة ذا وضمير المخاطبين، والإشارة هنا للحق - تبارك وتعالى - فلو أشرت لخطاب المفرد تقول: ذلك، وللمثنى ذلكما كما في:
ذلكما مما علمني ربي
[يوسف: 37] ولجمع المذكر ذلكم ولجمع المؤنث ذلكن كما في:
فذلكن الذي لمتنني فيه
[يوسف: 32]. وجاءت هذه الإشارة إلى الحق سبحانه بعد أن تكلم عن بعض أسراره في خلق الإنسان، وعن الظلمات الثلاث في رحم الأم، وكلها في مجال الخلق والتربية والتكوين الأول للإنسان، وهذه المسألة يناسبها صفة الربوبية التي تتولى الخلق والتربية، فالرب هو الخالق وهو المربي، أما كلمة الله فهي للألوهية، والألوهية تكليف، لأن الله يعني المعبود بطاعة أوامره واجتناب نواهيه، والجنين في بطن الأم بعيد عن مسألة التكليف، فلماذا اختار هنا وفي هذا المقام لفظ الألوهية الله فقال: ﴿ ذلكم الله ربكم ﴾ [الزمر: 6].
ولم يقل: ذلكم ربكم الله - كما يقول بعض المستشرقين؟ قالوا: لنفهم أنه سبحانه لا يخلقنا ولا يربينا لنكون مثل الدواب في الكون، إنما يخلقنا ويربينا لهدف ولمنهج تكليفي نسير عليه ذلك ليجعلنا نأنس بكلمة الله قبل كلمة رب، وفي هذا إشارة إلى أن الهدف من التكليف صلاح المجتمع وصلاحكم فيما بينكم، فالخالق سبحانه لم يخلقنا عبثا ولم يتركنا هملا وخلقا ضائعا لا هدف له. لذلك في صدر سورة الرحمن يبين الحق سبحانه أن تعليم المنهج قبل تكوين الخلق، وأن الخلق لا يعد نعمة إلا إذا تم في ظل منهج الخالق، فصاحب الصنعة لا بد أن يحدد مهمتها قبل أن يصنعها، قال تعالى: