تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن كل شيء خلقنا زوجين

[الذاريات: 49] ومثلها كلمة توأم. وقوله: ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ﴾ [الزمر: 6] معنى ﴿ خلقا من بعد خلق ﴾ [الزمر: 6] بيان لأطوار الخلق التي يمر بها الجنين في بطن أمه، فهو يتقلب في بطنها بين ماء مهين، يستقر في الرحم نطفة، ثم علقة ثم مضغة، ثم يتكون منها العظام، ثم يكسو العظام لحما، هذه أطوار الخلق المرادة في قوله تعالى: ﴿ خلقا من بعد خلق ﴾ [الزمر: 6]. قال تعالى:

ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين

[المؤمنون: 12-14]. هذه هي الأطوار التي يمر بها الإنسان منذ أن يصل إلى رحم الأم، وهذا يعني أن هناك طورا يسبق هذه الأطوار، هو طور التقاء عنصر الذكورة بعنصر الأنوثة، أو التقاء الحيوان المنوي بالبويضة وتلقيحها لأنه لا يصل إلى الرحم إلا بويضة ملقحة دخلها ميكروب الذكورة. وفي سورة الحج بين سبحانه أن المضغة منها مخلقة وغير مخلقة:

يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى

[الحج: 5]. فالمضغة المخلقة هي الجزء الذي خلقت منه الأعضاء والجوارح، وغير المخلقة هي الجزء الذي استقر في الجسم بدون تخليق ليظل احتياطيا للجسم، وكأنه ريزرف أو صيدلية صيانة، فإذا ما حدث في الجسم عطب قامت المضغة غير المخلقة بإصلاحه، كما نرى مثلا في الجروح، فالجرح بعد فترة يندمل وتبني فيه أنسجته حتى تعود كما كانت، من أين؟ من المضغة غير المخلقة. والعجيب أن الجسم حين تتركه على طبيعته ولا تتدخل في الجرح بمواد كيماوية يلتئم ويعود دون أن يترك أثرا، إنما حين نتدخل بأدوية ومواد كيماوية لا بد أن تؤثر على الخلايا والأنسجة، وتترك فيها أثرا. لذلك أثبت العلم أن في الإنسان مخزنين للقوت، مخزنا لقوته اليومي، ومخزنا آخر احتياطيا، نأخذ منه القوت حين ينفد ما في المخزن الأول، لأن الإنسان يأكل على قدر الطاقة ثم يزيد عليها، فتتحول هذه الزيادة إلى دهون في الجسم، وحين يجوع الإنسان أو يعطش يستمد قوته من الدهن الموجود في جسمه، ومن العجيب أن هذه المادة الدهنية تتحول إلى أي مادة يحتاجها الجسم. ولوجود هذا المخزن رأينا الإنسان يصبر على الجوع شهرا، في حين لا يصبر على العطش أكثر من عشرة أيام، لماذا؟ لأنه حين يجوع ولا يجد طعاما يستمد طعامه من المخزون الاحتياطي في جسمه. فقوله تعالى: ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم ﴾ [الزمر: 6] أي: الخلق الثاني، فالخلق الأول خلق آدم عليه السلام من تراب، وقد أخبرنا الله به، لأن أحدا لم يره، كما قال سبحانه:

مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا

[الكهف: 51]. فإذا طلع علينا من يقول إن الإنسان أصله قرد تطور إلى إنسان نعلم أنه من المضلين الذين أخبرنا الله عنهم، ولا بد أن نعلم كذبه، والرد على هذا الهراء ميسور، لأن الإنسان إن كان متطورا عن قرد، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا على مر التاريخ كله لم نر قردا تطور وارتقى حتى إلى ما يقرب من الإنسان. إذن: هذا كذب وباطل، لأن الخالق سبحانه خلق الأجناس كلها، وجعل من كل زوجين اثنين، يتم التكاثر وليتم الانفصال، قال تعالى:

ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون

[الذاريات: 49]. وقوله سبحانه: ﴿ في ظلمات ثلاث ﴾ [الزمر: 6] بيان للقرار المكين الذي يستقر فيه الإنسان في بطن أمه، قال تعالى:

فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم

[المرسلات: 21-22] والمكين هو المستقر في المكان، فبطن الأم مكان، والجنين في البطن مكين. ولما تكلم العلماء في معنى الظلمات الثلاث قالوا: هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٤٦