تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" " إن الله أخفى ثلاثا في ثلاث: أخفى رضاه في طاعته " فلا تحقرن طاعة أبدا، واعلم أن الله غفر لرجل لأنه سقى كلبا يلهث من العطش، وهذا العمل يدل على محبة طاعة الله وإلا فماذا يأخذ الرجل من الكلب؟ أم تراه ينافقه؟ إذن: ليس إلا حب الطاعة. " وأخفى غضبه في معصيته " فلا تحقرن معصية أبدا، وقد دخلت امرأة النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. " وأخفى أسراره في خلقه " كما أخفى أمر عياض وتاب عليه ".

ثم يقول سبحانه: ﴿ ألا لله الدين الخالص ﴾ [الزمر: 3] بعد أن خاطب الحق سبحانه نبيه بقوله: ﴿ فاعبد الله مخلصا له الدين ﴾ [الزمر: 2] أراد سبحانه أن ينبه الأذهان إلى أهمية الإخلاص لله تعالى، فجاء بهذا الحرف الدال على الاستفتاح ألا. وهذا الأسلوب يتبعه العربي في كلامه، لأن المتكلم أمير نفسه يتكلم في أي وقت شاء، وهو يعي ما يقول وله خيار فيما يقول أما السامع فليس له خيار فربما كان مشغولا عن المتكلم فيفوته بعض الكلام لذلك على المتكلم أن ينبهه من غفلته، وأن يهيئه لأن يسمع، لا سيما إن كان الكلام مهما أو نفيسا لا ينبغي أن يفوتك منه شيء لذلك قال سبحانه: ﴿ ألا لله الدين الخالص ﴾ [الزمر: 3]. ونلحظ أيضا هنا أسلوب القصر في تقديم الجار والمجرور ﴿ لله ﴾ [الزمر: 3] على المبتدأ الدين الخالص، فلم يقل سبحانه الدين الخالص لله، لأنها تحتمل أن نقول: ولغيره، أما قوله ﴿ لله الدين الخالص ﴾ [الزمر: 3] أي: له وحده، فقصرت إخلاص الدين على الله تعالى دون غيره، تقول: هذا المال لزيد. ولزيد هذا المال. لكن، لماذا لله الدين الخالص؟ قالوا: لأن الدين شرع الله هو الذي شرعه، وهو سبحانه الذي يجازي عليه، فاحذر إذن أن يكون عملك بمنهج الله مقصودا به غير الله لأن غير الله لم يشرع لك، ولا يستطيع أن يعطيك أجر العمل. فكأن الله تعالى يريد أن يحصن حركة الإنسان في كل شيء، بحيث تعود عليه كل حركاته بالخير لذلك دله على الطريق الذي يؤدي به إلى الخير، وهو طريق إخلاص العبادة لله وحده. ثم يذكر سبحانه مقابل إخلاص العبادة لله، فيقول: ﴿ والذين اتخذوا من دونه أوليآء ﴾ [الزمر: 3] قائلين ومبررين موقفهم حين تبين لهم كذبهم في عبادة ما دون الله، وحين تقول لهم إن هذه الآلهة لا ترى ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع، وحين تضيق عليهم الخناق يقولون ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى ﴾ [الزمر: 3]. والذي يقربك إلى الله لا بد أن يكون مشهودا بالتبعية لله تعالى، وهذه الآلهة التي تعبدونها ليست مشهودة بالتبعية لله تعالى، بل هي من صنعكم أنتم ومن نحت أيديكم، وإذا أطاحت به الريح أقمتموه في مكانه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه. إذن: فعبادتكم لها باطلة، وأنتم كاذبون في هذه العبادة ﴿ إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ﴾ [الزمر: 3] كلمة الحكم لله كلمة ترهب، لأن حكم الله هو الحق الذي لا يحابي أحدا، فالمؤمن حين يسمع هذه الكلمة يطمئن، لأنه سيأتي يوم لا يكون الحكم فيه إلا لله كما قال سبحانه: إن الحكم إلا لله أي: لله وحده لا لغيره، لذلك أنت لا تقول لخصمك: أنا حكمت الله بيني وبينك إلا وأنت واثق أن الحق معك.

لذلك يغضب بعض الناس لو قلت لأحدهم: الله وكيل بيني وبينك. ولو كان على الحق لا يخاف شيئا لقال وأنا رضيت هذه الوكالة وقبلت بها، لكن كونه يغضب حين نحكم الله فيما بينكما، فهذا دليل على أنه يخاف هذا الحكم لأنه على باطل. ثم إن حكم الله سيأتي في وقت لا حكم فيه إلا لله

إن الحكم إلا لله

[الأنعام: 57]. ثم يقول سبحانه: ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ [الزمر: 3] نعم لا يهديه الله، لأن الكاذب الكفار ليس أهلا لعطاء الهداية لأن الله تعالى هدى الكل هداية الدلالة والإرشاد، فمن آمن منهم زاده هداية المعونة والتوفيق، قال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٤١