إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء
[النساء: 48]. وقال في الحديث القدسي:
" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك به معي غيره تركته وشركه ".
يعني: أنا متنازل لهذا الشريك عن العمل كله، لأني عزيز عن خلقي، لا مصلحة لي من طاعتهم، إنما المصلحة تعود عليهم هم. إذن: فربك خلقك وأنزل عليك ما يصلحك، فإن أطعته أثابك، لأن لله تعالى صفات، وهذه الصفات تحتاج إلى متعلقات، فحين تؤدي هذه المتعلقات لله يجازيك عليها. إذن: قل باسم الله واعلم أنه عزيز عن هذه، وتذكر قوله سبحانه في الحديث القدسي:
" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم وشاهدكم وغائبكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد، وسألني كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر، ذلك أني جواد ماجد واجد، عطائي كلام وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون ".
فالحق سبحانه هو العزيز الذي يغلب ولا يغلب، وهو سبحانه يخلع من هذه الصفة على من يؤمن به، فللمؤمن عزة من عزة الله، أما غير المؤمن فيبحث عن عزة بالإثم استكبارا بلا رصيد، ومن ذلك قول المنافقين.
لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل..
[المنافقون: 8] قال الله لهم: صدقتم في هذه المقولة: ليخرجن الأعز منها الأذل، لكن من الأعز؟ ومن الأذل؟ ثم حكم الحق سبحانه أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين:
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[المنافقون: 8]. إذن: أنتم الأذل، وأنتم الذين ستخرجون من المدينة لا رسول الله، وقد تم ذلك لرسول الله، وقد كان. والحق سبحانه مع أنه ﴿ العزيز.. ﴾ [الزمر: 1] الذي يغلب ولا يغلب، فهو سبحانه ﴿ الحكيم ﴾ [الزمر: 1] أي: الذي يضع الشيء في موضعه. ومن هذه الحكمة أنه سبحانه لا يطبع المؤمن على العزة الدائمة، ولا على الذلة الدائمة، كذلك لا يطبعه على الرحمة الدائمة، ولا على الشدة الدائمة، بل ينفعل للأحداث الإيمانية، كما قال سبحانه:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم
[الفتح: 29] وقال:
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين
[المائدة: 54]. ومع أن هذه طباع في النفس إلا أنها معدلة بمنهج من خلقها، فإن كان الموقف يحتاج إلى رحمة فالمؤمن رحيم، وإن كان الموقف يحتاج إلى شدة. فالمؤمن شديد. إذن: هذا مظهر من مظاهر حكمة الخالق سبحانه، فإن قلت: هذه طباع، نعم طباع لكن معدلة بمنهج من خلقها. والحكمة مأخوذة من شيء حسي، مأخوذة من الحكمة التي توضع في فم الفرس، والتي نسميها اللجام، وهو الأداة التي بها نتحكم في حركة الفرس، وفي سرعته واتجاه سيره، وبها نكبح جماحه إن جمح.