تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب

[الشورى: 17]. ونلحظ أولا أن كلمة قريب جاءت بدون تأنيث، والساعة مؤنثة، فلم يقل قريبة، قالوا: لأن المراد وقت قيامها: وما يدريك لعل وقت قيامها قريب. وقال اللغويون: إن قريب على وزن فعيل، وهذا الوزن يستوي فيه المذكر والمؤنث، كما في قوله سبحانه:

والملائكة بعد ذلك ظهير

[التحريم: 4]. ثم في الآية الأولى جاء بالفعل تكون، فقال: ﴿ تكون قريبا ﴾ [الأحزاب: 63] وفي الأخرى قال: قريب لماذا؟ قالوا: لأن السؤال مرة يكون عن أصل الوجود، ومرة يكون عن شيء تابع لأصل الوجود، وفي الدراسات النحوية ندرس للتلاميذ كان وأخواتها، وهي فعل ماض ناقص، يرفع المبتدأ وينصب الخبر، وقد تأتي كان تامة تكتفي بفاعلها كما في

وإن كان ذو عسرة..

[البقرة: 280] يعني: إن وجد ذو عسرة. إذن: إن أردت الوجود الأول فهي تامة، وإن أردت وجودا ثانيا طارئا على الوجود الأول فهي ناقصة، كما لو قلت: كان زيد مجتهدا، فأنت لا تتكلم عن الوجود الأول لزيد، إنما تتكلم عن شيء طرأ على وجوده، وهو اجتهاده، وهذه هي كان الناقصة لأن الفعل ينبغي أن يدل على زمن وحدث، والفعل كان دل على زمن فقط، فاحتاج إلى خبر ليدل على الحدث، فكأنك قلت: اجتهد زيد.. في الزمن الماضي. كذلك نقول في الوجود الأول وكان التامة: " كان الله ولا شيء معه " هذا هو الوجود الأعلى، فإن أردت شيئا آخر متعلقا بهذا الوجود الأول تقول:

وكان الله غفورا رحيما

[النساء: 152]. فالحق سبحانه في هاتين الآيتين يرد على الذين يسألون عن الساعة، إما لأنهم ينكرونها وجودا، أو يؤمنون بها، ويسألون عن وقتها، فقال مرة: ﴿ لعل الساعة تكون قريبا ﴾ [الأحزاب: 63] ومرة

لعل الساعة قريب

[الشورى: 17]. كلمة

وما يدريك..

[الشورى: 17] معنى الدراية: الإعلام، كما نقول: هل دريت بالموضوع الفلاني، يعني: علمت به. وفي علم الأصول يقسمون العلم إلى: علم دراية، وعلم رواية، فلم الرواية كالذي يحفظ القرآن الكريم بالقراءات السبع أو العشر أو الأربعة عشر، ومع ذلك ربما لا يعرف تفسيره لأن علمه بالقرآن علم رواية فحسب، أما الذي تخصص في تفسيره ومعرفة معانيه وأحكامه، فهذا العلم يعد علم دراية، فالدراية إذن علم بالتفصيل، والرواية علم بالإجمال الكلي. ومن حكمته تعالى أن يكون حفظة القرآن ليسوا من العلماء - إلا فيما ندر - لأن العالم إذا ما وقف حفظه عند كلمة معينة ربما دعاه علمه إلى التصرف فيها بلفظ آخر، كما في فتبينوا، فتثبتوا مثلا، أما الذي حفظ القرآن رواية فحسب، فإذا وقف أمام كلمة ناسيا لها، فإنه لا يتجاوزها حتى يفتح الله عليه بما نسيه، وبذلك حفظ الله كلامه. ونلحظ أن هذا الفعل جاء بصيغة المضارع

وما يدريك..

[الشورى: 17] وجاء بصيغة الماضي

ومآ أدراك..

[المرسلات: 14] ولكل منهما مدلول، فساعة يقول سبحانه

وما يدريك..

[الشورى: 17] يعني: لا وسيلة إلى أن يعلمك أحد بها أبدا، لا في الحال، ولا في الاستقبال. أما

ومآ أدراك..

[المرسلات: 14] فتدل على أنه نفى أن يعلمه أحد قبل الآن، ومن الممكن أن نعلمه نحن. ومن ذلك قوله تعالى:

سأصليه سقر * ومآ أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر

[المدثر: 26-28]. وقال:

ومآ أدراك ما يوم الفصل * ويل يومئذ للمكذبين

[المرسلات: 14-15]. وقال:

الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة * كذبت ثمود وعاد بالقارعة

[الحاقة: 1-4]. وقال:

القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس كالفراش المبثوث

[القارعة: 1-4]. وقال:

فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة

[البلد: 11-14]. وقال:

وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه * نار حامية

[القارعة: 8-11]. وقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧٢١