تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.29

المتأمل جانبي التخيير هنا يجد أن المقارنة بينهما أمر صعب يوحي برفض التخيير بين طرفي هذه المسألة، فمن يقبل أن تكون له حياة دنيا مقابل الله، وأن تكون له زينتها مقابل رسول الله، ثم زد على ذلك الدار الآخرة التي لم يذكر قبالتها شيء في الجانب الآخر، ثم إن الحياة الدنيا التي نعيشها حتى لو لم توصف بأنها دنيا كان يجب أن يزهد فيها. والحق أنهن فهمن هذا النص واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، ومن يرضى بها بديلا: والحمد لله.

وكفى الله المؤمنين القتال..

[الأحزاب: 25]. ثم يأتي جزاء من اختار الله ورسوله والدار الآخرة ﴿ فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما ﴾ [الأحزاب: 29] المحسنة هي الزوجة التي تعطي من الرحمة والمودة الزوجية فوق ما طلب منها.

33.30

الحق - سبحانه وتعالى - بعد أن خير زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فاخترن الله ورسوله والدارالآخرة أراد سبحانه أن يعطيهن المنهج والمبادىء التي سيسرن عليها في حياتهن، ونلحظ أن آية التخيير كانت من كلام النبي عن ربه، أما هنا فالكلام من الله مباشرة لنساء النبي. ﴿ ينسآء النبي.. ﴾ [الأحزاب: 30] فبداية المسألة

يأيها النبي قل لأزواجك..

[الأحزاب: 28] فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كأنهن ارتفعن إلى مستوى الخطاب المباشر من الله تعالى، كأنهن حققن المراد من الأمر السابق

فتعالين..

[الأحزاب: 28]. كلمة ﴿ نسآء.. ﴾ [الأحزاب: 30] نعلم أنها جمع، لكن لا نجد لها مفردا من لفظها، إنما مفردها من لفظ آخر هو امرأة، وفي اللغة جموع تنوسي مفردها بشهرة مفرد آخر أرق أو أسهل في الاستعمال، وامرأة أو مرة يصح أيضا من امرؤ، وهذه اللفظة تختلف عن ألفاظ اللغة كلها، بأن حركة الإعراب فيها لا تقتصر على الحرف الأخير إنما تمتد أيضا إلى الحرف قبل الأخير، فنقول: قال امرؤ القيس، وسمعت امرأ القيس، وقرأت لامريء القيس. وبعض الباحثين في اللغة قال: إن نساء من النسأ والتأخير، على اعتبار أن خلقها جاء متأخرا عن خلق الرجل، ومفردها إذن نسء وإن كان هذا تكلفا لا داعي له. وبعد هذا النداء ﴿ ينسآء النبي ﴾ [الأحزاب: 30] يأتي الحكم الأول من المنهج الموجه إليهن: ﴿ من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين.. ﴾ [الأحزاب: 30] نلحظ أن الحق سبحانه لم يبدأ الكلام مع نساء النبي بقوله مثلا: من يتق الله منكن، إنما بدأ بالتحذير من إتيان الفاحشة لأن القاعدة الشرعية في التقنين والإصلاح تقوم على أن " درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة " كما أننا قبل أن نتوضأ للصلاة نبرىء أنفسنا من النجاسة. ومثلنا لذلك وقلنا: هب أن واحدا رماك بتفاحة، وآخر رماك بحجر، فأيهما أولى باهتمامك؟ لا شك أنك تحرص أولا على رد الحجر والنجاة من أذاه، وكذلك لو أردت أن تكوي ثوبك مثلا وهو متسخ، لا بد أن تغسله أولا. لذلك بدأ الحق سبحانه التوجيه لنساء النبي بقوله ﴿ من يأت منكن بفاحشة مبينة.. ﴾ [الأحزاب: 30] لكن الفاحشة أمر مستبعد، فكيف يتوقع منتهى الذنوب من نساء رسول الله؟ قالوا: ولم لا، وقد خاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

لئن أشركت ليحبطن عملك..

[الزمر: 65]. ومعلوم أن رسول الله ليس مظنة الوقوع في الشرك، إذن: فالمعنى، يا محمد ليس اصطفاؤك يعني أنك فوق المحاسبة، كذلك الحال بالنسبة لنسائه: إن فعلت إحداكن فاحشة، فسوف نضاعف لها العذاب، ولن نستر عليها لمكانتها من رسول الله، فإياكن أن تظنن أن هذه المكانة ستشفع لكن، وإلا دخلت المسألة في نطاق إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد، وإذا سرق الشريف تركوه.

إذن: منزلة الواحدة منكن ليست في كونها مجرد زوجة لرسول الله، إنما منزلتها بمدى التزامها بأوامر الله، وإلا فهناك زوجات للرسل خن أزواجهن واقرأ:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٥٩