33.56
جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالخير لأمته مبشرا للمؤمنين، نذيرا للكافرين، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه، كما قال تعالى:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128]. كان صلى الله عليه وسلم يألم ويحزن إن تفلت أحد من يده، وخرج عن ساحة الإيمان، وكان يكلف نفسه في أمر الدعوة فوق ما يطيق، وفوق ما طلب منه، حتى خاطبه ربه بقوله:
فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا
[الكهف: 6]. ومعلوم أن سيدنا رسول الله لم يطلب منه إلا البلاغ فحسب، أما الهداية فمن الله عز وجل لأنه تعالى قال:
إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 4]. فلشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية قومه عاتبه ربه لأنه شق على نفسه، فالعتاب هنا لصالحه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك..
[التحريم: 1]. وهذا العتاب أشبه بعتابك لولدك الذي أرهق نفسه في المذاكرة، حتى أنك أشفقت عليه، فأنت لا تلومه على تقصير، إنما على المبالغة في عمل لا تطيقه قوته. وقد ظهرت قمة حرصه صلى الله عليه وسلم على أمته حين أنزل الله عليه:
والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى: 1-5]. فالتقطها رسول الله من ربه وجعلها لأمته، فقال:
" إذن: لا أرضى وواحد من أمتي في النار ".
فإذا كان رسول الله حريصا عليكم بهذا الشكل، فهو يستحق منكم أن تصلوا عليه لأن كل خير يناله يعم عليكم، ويعود إليكم لذلك قال سبحانه: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ [الأحزاب: 56]. وتلحظ أن الخبر ﴿ يصلون.. ﴾ [الأحزاب: 56] خبر عن الله والملائكة فجمع الحق سبحانه بين صلاته وصلاة ملائكته، والنبي صلى الله عليه وسلم سمع مرة خطيبا يخطب، يقول: من يتق الله ورسوله يثبه الله، ومن يعصهما يعاقبه الله، فقال صلى الله عليه وسلم له:
" بئس خطيب القوم أنت "
لماذا؟ قالوا: لأنه جمع بين الله تعالى ورسوله في: ومن يعصهما، وكان عليه أن يقول: ومن يعص الله ورسوله، فالله وحده هو الذي يجمع معه سبحانه من يشاء. قال سبحانه:
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله..
[التوبة: 74]. أما نحن، فليس لنا أبدا أن نأتي بصيغة تشريكية بين الله تعالى وأحد من خلقه. وقوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على النبي.
. } [الأحزاب: 56] هكذا قال الله، وجمع معه سبحانه من يشاء من خلقه، وأنت لا يجوز لك أن تجمع هذا الجمع إلا إذا كنت تقرأه على أنه قرأن، فإن أردت أن تنشىء كلاما من عندك فلا بد أن تقول: الله يصلي على النبي، والملائكة يصلون على النبي. لذلك احتاط علماء التفسير لهذه المسألة فقالوا أن يصلون ليست خبرا للكل، إنما تقدير الخبر أن الله يصلي على النبي، والملائكة يصلون على النبي. وإذا كان الله يصلي على النبي، والملائكة يصلون على النبي، فماذا عنكم أنتم؟ يجب أن تصلوا أنتم كذلك على النبي ﴿ يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ [الأحزاب: 56]. سبق أن بينا أن الصلاة من الله لها معنى، ومن الملائكة لها معنى، ومن المؤمنين المأمورين بها لها معنى، فكل بحسبه، والصلاة في الأصل هي الدعاء، والدعاء يقتضي داعيا ومدعوا له ومدعوا، فمثلا حين أدعو الله أن يغفر لفلان، فأنا الداعي، والله تعالى مدعو، وفلان مدعو له، فإذا كان المصلي والداعي هو الله عز وجل، فمن يدعو؟ إذن: معنى الدعاء لا يأتي مع الله تعالى. لذلك قلنا: إنك لو نظرت إلى الأحداث تجد أن صاحبك مثلا إذا قال لك أعدك أن أعطيك غدا كذا وكذا، فهذا وعد منه، لا يملك هو من أسباب الوفاء به شيئا، أما إن قال لك: أدعو الله أن يعطيك كذا وكذا، ونسب العطاء لله تعالى، فهذا أرجى للتحقيق لأنه منسوب إلى الله، فإن قبل الدعاء تحقق المطلوب، فإن كان الله تعالى هو الذي يأمر لك بهذا العطاء فلا بد أن تناله لا محالة. إذن: الصلاة من الله ليست بمعنى الدعاء، إنما هي تنفيذ مباشر ورحمة شاملة وعامة، ويكفي من رحمته تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن جعله خاتم الرسل، فلا يستدرك عليه أحد، يكفيه من رحمته وإنعامه وثنائه عليه أن قرن اسمه باسمه لذلك خاطبه بقوله: