سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45]. فالحق سبحانه صادق حين يقول ما كان، ويصدق حين يقول ما سيكون. والحق سبحانه حين يقول: ﴿ والله يقول الحق.. ﴾ [الأحزاب: 4] كأنه يقول: قارنوا بين قولين: قول بالأفواه، وقول بالواقع والاعتقاد، وإذا كان قول الله أقوى من الاعتقاد فقط فهو من باب أولى أقوى من القول بالأفواه فقط. وقوله تعالى: ﴿ وهو يهدي السبيل ﴾ [الأحزاب: 4] يهدي السبيل إلى القول الحق. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ادعوهم لآبآئهم هو... ﴾.
33.5
معنى ﴿ ادعوهم لآبآئهم.. ﴾ [الأحزاب: 5] يعني: قولوا: زيد بن حارثة، لكن كيف ينزع من زيد هذا التاج وهذا الشرف الذي منحه له سيدنا رسول الله؟ نعم، هذا صعب على زيد - رضي الله عنه - لكنه ﴿ أقسط عند الله.. ﴾ [الأحزاب: 5] لا عندكم أنتم. و ﴿ أقسط.. ﴾ [الأحزاب: 5] أفعل تفضيل، نقول هذا قسط وهذا أقسط، مثل عدل وأعدل، ومعنى ذلك أن الذي اختاره رسول الله من نسبة زيد إليه يعد قسطا وعدلا بشريا، في أنه صلى الله عليه وسلم أحس بالبنوة وصار أبا لمن اختاره وفضله على أبيه. لكن الحق سبحانه يريد لنا الأقسط، والأقسط أن ندعو الأبناء لآبائهم ﴿ فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم.. ﴾ [الأحزاب: 5] أي: نعرفهم بأنهم إخواننا في الدين. ومعنى الموالي: الخدم والنصراء الذين كانوا يقولون لهم " العبيد " ، فالولد الذي لا نعرف له أبا هو أخ لك في الله تختار له اسما عاما، فنقول مثلا في زيد: زيد بن عبد الله، وكلنا عبيد الله تعالى. والبنوة تثبت بأمرين: بالعقل وبالشرع، فالرجل الذي يتزوج زواجا شرعيا، وينجب ولدا، فهو ابنه كونا وشرعا، فإذا زنت المرأة - والعياذ بالله - على فراش زوجها، فالولد ابن الزوج شرعا لا كونا لأن القاعدة الفقهية تقول: الولد للفراش، وللعاهر الحجر. كذلك في حالة الزوجة التي تتزوج مرة أخرى بعد وفاة زوجها أو بعد طلاقها، لكنها تنجب لستة أشهر، فتقوم هنا شبهة أن يكون الولد للزوج الأول، لذلك يعد ابنا شرعا لا كونا لأنه ولد على فراشه. فإن جاء الولد من الزنا - والعياذ بالله - في غير فراش الزوجية فهو ابنه كونا لا شرعا لذلك نقول عنه " ابن غير شرعي ". كما أن في قوله تعالى: ﴿ هو أقسط عند الله.. ﴾ [الأحزاب: 5] تشريفا للنبي صلى الله عليه وسلم، فلو قال تعالى: هو قسط لكان عمل النبي إذن جورا وظلما، لكن أقسط تعني: أن عمل النبي قسط وعدل. وقوله تعالى: ﴿ وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم.. ﴾ [الأحزاب: 5] يخرجنا من حرج كبير في هذه المسألة، فكثيرا ما نسمع وما نقول لغير أبنائنا: يا بني على سبيل العطف والتودد، ونقول لكبار السن: يا أبي فلان احتراما لهم. فالحق سبحانه يحتاط لنا ويعفينا من الحرج والإثم، لأننا نقول هذه الكلمات لا نقصد الأبوة ولا البنوة الحقيقية، إنما نقصد تعظيم الكبار وتوقيرهم، والعطف والتحنن للصغار، فليس عليكم إثم ولا ذنب في هذه المسألة، إن أخطأتم فيها، والخطأ هو ألا تذهب إلى الصواب، لكن عن غير عمد.
وإذا كان ربنا - تبارك وتعالى - قد رفع عنا الحرج، وسمح لنا باللغو حتى في الحلف بذاته سبحانه، فقال:
لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان
[المائدة: 89] فكيف لا يعفينا من الحرج في هذه المسألة؟ ثم يقول سبحانه: ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ [الأحزاب: 5] سبق أن قلنا: أن الفعل إذا أسند إلى الحق سبحانه انحل عنه الزمن، فليس مع الله تعالى زمن ماض، وحاضر ومستقبل، وهو سبحانه خالق الزمن. لذلك نقول: ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ [الأحزاب: 5] يعني: كان ولا يزال غفورا رحيما لأن الاختلاف في زمن الحدث إنما ينشأ من صاحب الأغيار، والحق سبحانه لا يطرأ عليه تغيير. لذلك نخاف نحن من صاحب الأغيار لأنه متقلب، ويقول أهل المعرفة: تغيروا من أجل ربكم - يعني: من الانحراف إلى الاستقامة - لأن الله لا يتغير من أجلكم، أنت تتغير من أجل الله، لكن الله لا يتغير من أجل أحد، وما دام الحق سبحانه كان غفورا رحيما، وهو سبحانه لا يتغير، فبالتالي سيبقى سبحانه غفورا رحيما. وتلحظ في أسلوب القرآن أنه يقرن دائما بين هذين الوصفين غفور ورحيم لأن الغفر سلب عقوبة الذنب، والرحمة مجيء إحسان جديد بعد الذنب الذي غفر، كأن تمسك في بيتك لصا يسرق، فلك أن تذهب به للشرطة، ولك أن تعفو عنه وتتركه ينصرف إلى حال سبيله، وتستر عليه، وبيدك أن تساعده بما تقدر عليه ليستعين به على الحياة، وهذه رحمة به وإحسان إليه بعد المغفرة. وقد عولجت هذه المسألة في قوله تعالى: