ولأهمية القوت يأتي في مقدمة ما يمتن الله به على عباده في قوله:
فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف
[قريش: 4]. وكما ضمن الحق سبحانه للخليفة في الأرض مقومات حياته ضمن له أيضا بقاء نوعه ونسله، وجعل ذلك بالزواج الذي شرعه الله ليأتي النسل بطريقة طاهرة شريفة، لا بطريقة خسيسة دنسة، وفرق بين هذا وذاك، فالولد الشرعي تتلقفه أيدي الوالدين وتتباهى به، أما الآخر فإذا لم تتخلص منه أمه وهو جنين تخلصت منه بعد ولادته، لأنه عار عليها. فالحق سبحانه شرع الزواج لطهارة المجتمع المسلم ونظافته وسلامته، مجتمع يكون جديرا بأن يتباهى به سيدنا رسول الله يوم القيامة، فقد ورد في الحديث الشريف:
" تناكحوا تناسلوا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة ".
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يأيها النبي إنآ أحللنا... ﴾.
33.50
الحق - تبارك وتعالى - لم يخاطب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باسمه العلم أبدا، كما خاطب غيره من الأنبياء فقال: يا نوح، يا عيسى، يا موسى، يا إبراهيم.. إلخ، أما رسول الله، فناداه ربه بقوله ﴿ يأيها النبي.. ﴾ [الأحزاب: 50] و
يأيها الرسول..
[المائدة: 41]. ونداء الشخص باسمه العلم دليل على أنه ليست له صفة مميزة، فإن ملك صفة مميزة نودي بها تقول: يا شجاع، يا شاعر.. إلخ، الآن الجميع يشتركون في العلمية. إذن: فنداء النبي صلى الله عليه وسلم بيأيها النبي، ويأيها الرسول تكريم له صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: ﴿ إنآ أحللنا لك أزواجك.. ﴾ [الأحزاب: 50] ما معنى ﴿ أحللنا.. ﴾ [الأحزاب: 50] هنا ما دام الحديث عن أزواجه صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: معناها أنها كانت في منطقة محرمة ثم أحلها الله له أي: جعلها حلالا، وهذا المعنى يتضح بقوله تعالى بعدها ﴿ اللاتي آتيت أجورهن.. ﴾ [الأحزاب: 50] كأن رسول الله أخذ بالحل أولا، بدليل أنه آتى الأجر والمهر. ولقد كان للعلماء وقفة عند تسمية المهر أجرا، قالوا: كيف يسمي المهر أجرا، ومعنى الأجر في اللغة: جعل على منفعة موقوتة يؤديها المستأجر للمستأجر، أما النكاح فليس موقوتا، إنما من شروطه نية التأبيد والدوام؟ وللجواب على هذه المسألة نقول: لا يصح أن تؤخذ الآيات، منفصلة بعضها عن بعض، إنما ينبغي أن نجمع الآيات الواردة في نفس الموضوع جنبا إلى جنب ليأتي فهمها تاما متكاملا. فالحق سبحانه يقول في موضع آخر مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم في شأن زوجاته:
ترجي من تشآء منهن..
[الأحزاب: 51] أي: تؤخر استمتاعك بها
وتؤوي إليك من تشآء..
[الأحزاب: 51] أي: تضمها إليك. إذن: ما دام لك أن ترجيء أزواجا منهن وتمنعهن من القسمة، ثم تضم غيرهن، فكأن المنفعة هنا موقوتة، فناسب ذلك أن يسمى المهر أجرا. والحق سبحانه يعطي نبيه صلى الله عليه وسلم في كل مراحل سيرته أزكى المواقف وأطهرها وأنبلها، فقوله تعالى: ﴿ اللاتي آتيت أجورهن.. ﴾ [الأحزاب: 50] دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ما انتفع بهن إلا بعد أن أدى مهرهن، في حين أن للإنسان أن يسمى المهر، ويدخل بزوجته دون أن يدفع من المهر شيئا، ويكون المهر كله أو بعضه مؤخرا، لكن تأخير المهر يعطي للمرأة حق أن تمتنع عن مضاجعته، فإن سمحت له فهو تفضل منها. إذن: فرسول الله اختار أكمل شيء. رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليبين للناس ما نزل إليهم، وجعله ربه أسوة سلوكية في الأمور التي يعز على الناس أن يستقبلوها، فنفذها رسول الله في نفسه أولا كما قلنا في مسألة التبني.
كذلك في مسألة تعدد الزوجات، فرسول الله أرسل والتعدد موجود عند العرب وموجود حتى عند الأنبياء السابقين، لكن أراد الله أن يحدد هذا التعدد تحديدا يمتص الزائد من النساء، ولا يجعله مباحا في كل عدد، فأمر رسوله أن يقول لأمته: من كان عنده أكثر من أربع فليمسك معه أربعا، ويفارق ما زاد عنهن، في حين كان عنده صلى الله عليه وسلم تسع زوجات. فلو أن الحكم شمله، فأمسك أربعا، وسرح خمسا لأصابهن ضرر كبير، ولصرن معلقات لأنهن زوجات رسول الله وأمهات المؤمنين، وليس لأحد أن يتزوج إحداهن بعد رسول الله. إذن: الحكم يختلف مع رسول الله، والعدد بالنسبة له أن يقتصر على هؤلاء التسعة بذواتهن، بحيث لو ماتت إحداهن أو طلقت فليس له أن يتزوج بغيرها لأن الله خاطبه بقوله: