تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

33.63

سئل رسول الله كثيرا عن الساعة، والسؤال ظاهرة صحية إذا كان في الأمر التكليفي لأن السؤال عن التكاليف الشرعية دليل على أن السائل آمن برسول الله، وأحب التكليف، فأراد أن يبني حركة حياته على أسس إسلامية من البداية. فعلى فرض أن الإسلام جاء على أشياء كانت متوارثة من الجاهلية فأقرها الإسلام، فيأتي من يسأل عن رأي الإسلام فيها حرصا منه على سلامة دينه وحركة حياته. لكن أراد الحق سبحانه أن يهون المسائل على الناس، فقال سبحانه:

يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم..

[المائدة: 101]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" دعوني ما تركتكم، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ".

إذن: السؤال المطلوب هو السؤال عن الأمور التكليفية التي تهم المسلم، حتى وإن كانت من أمور الجاهلية، وقد أقر الإسلام كثيرا منها، فالدية مثلا في الإسلام جاءت من جذور كانت موجودة عند الجاهليين وأقرها الإسلام، وقد أمر الله تعالى المسلم بأن يسأل عن مثل هذه المسائل في قوله تعالى:

فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون

[النحل: 43]. أما السؤال عن الساعة، فالساعة أمر غيبي لا يعلمه إلا الله، فهو سؤال لا جدوى منه، لذلك لما سئل رسول الله: متى الساعة؟ قال للسائل: " وماذا أعددت لها " فأخذه إلى ما ينبغي له أن يسأل عنه ويهتم به. وهذه الآية الكريمة ﴿ يسألك الناس عن الساعة.. ﴾ [الأحزاب: 63] جاءت بعد معركة الإيذاء لله تعالى، والإيذاء لرسوله وللمؤمنين به، هذا الإيذاء جاء ممن لا يؤمنون بالسماء، ولا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبلاغ عن الله بواسطة رسوله. وإيذاء هؤلاء لله تعالى هو في الحقيقة إيذاء لأنفسهم لأنه لا يصل إلى الله تعالى، والله يريد لهم الخير لأنهم عباده وصنعته، فحين يخرجون على منهجه فإنما يؤذون أنفسهم، أما إيذاؤهم لرسول الله فقد آذوه صلى الله عليه وسلم في أهله وفي نفسه، فقد تعرضوا له صلى الله عليه وسلم بما يتأبى عنه أي إنسان كريم، آذوه بالقول وبالفعل، ومع ذلك صبر صلى الله عليه وسلم، وصبر أصحابه، وقد أوذوا في أنفسهم وفي أموالهم. والمتأمل يجد أن هذا الإيذاء مقصود وله فلسفة، فقد أراده الله تعالى ليمحص المؤمنين، وليرى - وهو أعلم سبحانه - من يثبت على الإيمان لذلك قال تعالى:

أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

[العنكبوت: 2]. وسبق أن أوضحنا أن الإيمان ليس كلمة تقال، إنما الإيمان مسئولية وعمل، ولهذا السبب امتنع كفار مكة عن النطق بكلمة الإيمان لأنهم يعلمون حقيقتها، وهم أهل بيان وفهم للأساليب وللمعاني.

وثبات سيدنا رسول الله وصبره هو والذين آمنوا معه دليل على أنهم أجروا مقارنة بين هذا الإيذاء في الدنيا من بشر له قدرة محدودة، وإيذاء الله سبحانه في الآخرة، وهذا إيذاء يناسب قدرته تعالى، ولا يمكن أن يفر منه أحد. إذن: نقول: إن للإيذاء فلسفة مقصودة، وإلا فقد كان من الممكن أن يأخذ الله أعداء دينه أخذ عزيز مقتدر، كما أخذ قوم نوح بالطوفان، وقوم فرعون بالغرق، وكما خسف بقارون الأرض، لكن أراد سبحانه أن يعذب هؤلاء بأيدي المؤمنين وبأيدي رسول الله، وربما لو نزلت بهم أخذه عامة لقالوا: آية كونية كالزلازل والبراكين مثلا لذلك قال تعالى مخاطبا المؤمنين:

قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم..

[التوبة: 14]. ثم يصبر الحق سبحانه نبيه ويسليه:

فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون

[غافر: 77]. إذن: رد الحق سبحانه على هذا الإيذاء جاء على نوعين: نوع في الدنيا بأن ينصر الله نبيه عليهم، كما بشره الله بقوله:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. والآخر رد أخروي يوم القيامة لذلك قال تعالى: ﴿ يسألك الناس عن الساعة.. ﴾ [الأحزاب: 63]. والسؤال الذي سئله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متوجها إلى أمرين: الأول: إعجازي لأنهم كانوا يعلمون من كتبهم وأنبيائهم بعض الأمور، فيريدون أن يحرجوا بها رسول الله حين يسألونه عنها، فلم يجدوا جوابا، وهم يعرفون أن رسول الله أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولم يجلس أبدا إلى معلم، لكن الحق سبحانه كان يسعف رسوله ويعلمه الجواب، فيجيب عليهم الجواب الصحيح، فيموتون غيظا، ويتمحكون في أي مسألة ليثبتوا لأنفسهم أن محمدا لا يعلمها. من ذلك مثلا سؤالهم عن أهل الكهف: كم لبثوا؟ فأجابهم الله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٧١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٧١٧