تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا المنية أنشبت أظفارها

ألفيت كل تميمة لا تنفع

ففطن معاوية إلى مقصده، وأجابه من نفس قصيدة أبي ذؤيب:

وتجلد للشامتين أريهموا

أني لريب الدهر لا أتضعضع

أما العذاب العظيم فلعظمه في ذاته، ولكبر حجمه يعني ليس صغيرا، أو يكون صغير الجرم، لكن عظمته في صفاته، أو في بقاء أثره زمن طويل. ويوصف العذاب بأنه شديد لشدة المعذب سبحانه لأنه سبحانه إذا أخذ فأخذه أخذ عزيز مقتدر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يأيها الذين آمنوا... ﴾.

33.9

أراد الحق سبحانه أن يدلل على قوله لرسوله في الآيات السابقة:

وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا

[الأحزاب: 3] فجاء بحادثة جمعت كل فلول خصومه، فقد سبق أن انتصر عليهم متفرقين، فانتصر أولا على كفار مكة في بدر، وانتصر على اليهود في بني النضير وبني قينقاع، وهذه المرة اجتمعوا جميعا لحربه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لن يؤثر جمعهم في الصد عن دعوتك، وسوف تنصر عليهم بجنود من عند الله. إذن: فحيثية وتوكل على الله هي قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم.. ﴾ [الأحزاب: 9] النعمة: الشيء الذي يخالط الإنسان بسعادة وبشر وطلب استدامته، وهذه الصفات لا تتوافر إلا في الإيمان لأن استدامة النعمة فيه تعدت زمن الدنيا إلى زمن آخر دائم وباق في الآخرة، وإن كانت نعمة الدنيا على قدر أسبابك وإمكاناتك، فنعمة الآخرة على قدر المنعم سبحانه، فهي إذن: نعمة النعم. والله تعالى يخاطب هنا المؤمنين، ومعنى الإيمان هو اليقين بوجود إله واحد له كل صفات الجلال والكمال، والله سبحانه يكفي العقل أن يهتدي إلى القوة الخالقة الواحدة التي لا تعاند، لكن ليس من عمل العقل أن يعرف مثلا اسم هذا الإله، ولا أن يعرف مراده، فكان ولا بد من البلاغ عن الله. وسبق أن مثلنا لذلك بمن يطرق علينا الباب، فنتفق جميعا بالعقل على أن طارقا بالباب، هذا هو عمل العقل، لكن أمن عمل العقل أن نعرف من هو؟ أو نعرف مقصده من المجيء؟ وهذا ما نسميه التصور. فآفة العقل البشري أنه لم يقنع بالتعقل للقوة القاهرة الفاعلة، فكان يكفيه أن يتعقل أن وراء هذا الكون قوة، هذه القوة لها صفات الكمال التي بها أوجدت هذا الكون، فإن أردنا معرفة ما هي هذه القوة فلابد أن نترك هذا الطارق ليخبرنا عن نفسه، ويفصح عن هدفه وسبب مجيئه، ولا يتم ذلك إلا من خلال رسول يأتي من عند الله يخبرنا عن هذه القوة، عن الله، عن أسمائه وصفاته ومنهجه الذي ارتضاه لخلقه، وما أعده الله لمن أطاعه من النعيم، وما أعده لمن عصاه من العذاب. فإن كذبنا هذا الرسول، وطلبنا دليلا على صدقه في البلاغ أخرج لنا من المعجزات ما يؤيده وما يحملنا على تصديقه لأنه أتى بلون مما ننبغ فيه نحن، وفن من فنوننا، ومع ذلك عجزنا عن الإتيان بمثله. إذن: فالتعقل أول مراحل الإيمان: لذلك فإن أبسط رد على من يعبدون غير الله أن نقول لهم: بماذا أمرتكم آلهتكم؟ وعم نهتكم؟ وماذا أعدت لمن أطاعها؟ وماذا أعدت لمن عصاها؟ ما المنهج الذي تستعبدكم به؟ فكان من منطق العقل ساعة يأتينا رسول من عند الله أن نستشرف له، ونقبل عليه، ونسأله عن اللغز الذي لا نعرفه من أمور الحياة والكون، كان علينا أن نستمع له، وأن ننصاع لأوامره لأنه ما جاء إلا ليخرجنا من مأزق فكري، ومن مأزق عقلي لا يستطيع أحد منا أن يحلله، كان على القوم أن يتلهفوا على هذا الرسول، لا أن يعادوه ويعاندوه، لما لهم من سلطة زمنية ظنوها باقية.

وقوله تعالى: ﴿ اذكروا نعمة الله عليكم.. ﴾ [الأحزاب: 9] ما هو الذكر؟ العقل حين يتلقى المعلومات من الحواس يقارن بينها ويغربلها، ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة للمعلومات، وما أشبه العقل في تلقي المعلومات بلقطة الفوتوغرافيا التي تلتقط الصورة من مرة واحدة، والناس جميعا سواء في تلقي المعلومات، المهم أن تصادف المعلومة خلو الذهن مما يشغله. وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور، وهي لا تلتقط إلا جزئية عقلية واحدة، فإذا أردت استدعاء معلومة من الحافظة، أو من حاشية الشعور، فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه المعلومة، وتخرجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. ثم هناك ما يسمى بتداعي المعاني، حين يذكرك شيء بشيء آخر، وهناك المخيلة، وهي التي تلفق أو تؤلف من المعلومات المختزنة شيئا جديدا، ونسميه التخيل، فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم باللون الأخضر على بشرة شابة بيضاء تخيلها هكذا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٦٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٦٣٧