إن الشرك لظلم عظيم
[لقمان: 13] وهذا الظلم أيضا لا يعود ضرره على الله تعالى، إنما يعود على المشرك بالله لذلك وصف الإنسان بعد الظلم بأنه جهول لأنه يظلم نفسه، وهذا يدل على الجهل وعدم العلم، والجهول هو الذي يقع في الخطأ ويعدل عن الحق عن جهل، فالوصف هنا يدل على الحكمة الأدائية ﴿ إنه كان ظلوما جهولا ﴾ [الأحزاب: 72]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات... ﴾.
33.73
أولا: يلفت أنظارنا أن الآية السابقة ذيلت بقوله تعالى
إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72] وذيلت هذه الآية بقوله سبحانه ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ [الأحزاب: 73] فكأن وصف ظلوما قابله غفورا، و جهولا قابله رحيما. فالحق سبحانه غفور لمن ظلم، ورحيم لمن جهل، فالنسق القرآني مظهر من مظاهر رحمة الله، والله سبحانه وتعالى علم عنه ممن آمن به أنه غفور رحيم، لكن لا ينبغي أن تغرك صفات الجمال في ربك - عز وجل - فتقدم على الذنب وتظلم، اعتمادا على أن ربك سيغفر وسيرحم. لذلك قالوا في قوله تعالى:
يأيها الإنسن ما غرك بربك الكريم
[الانفطار: 6] أن الذي غر الإنسان بربه فعصاه أو كفر به اعتماده على أن ربه كريم، فصفة الكرم في الله هي التي أغرت بعصيانه. وكأن الحق سبحانه لقن الإنسان الجواب عن هذه المسألة، فإن سئل: ما غرك بربك؟ يقول: كرمه، وعندنا في الفلاحين يسأل أحدهم الآخر: لماذا لا تطمئن في صلاتك، وتنقرها هكذا أرأيت لو كان عليك شلن لواحد هل يصلح أن تعطيه شلنا ممسوحا؟ فرد عليه الرجل: والله لو كان كريما لقبله. وفي الآية دقيقة أخرى في قوله تعالى: ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات.. ﴾ [الأحزاب: 73] فهل كان عرض الأمانة والتكليف للناس ليعذبهم؟ هل التعذيب مقصود لله في الحكم؟ قالوا: لا لأن اللام هنا ﴿ ليعذب.. ﴾ [الأحزاب: 73] لام العاقبة، فالحق سبحانه جعل التكليف ليتبعه الناس ولا يعذبون، فاللام دلت على النتيجة كما في قوله تعالى:
فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا
[القصص: 8]. فساعة التقطه آل فرعون التقطوه عليه السلام ليكون قرة عين لهم، لا ليكون عدوا، لكن الذي حدث أنه صار عدوا وحزنا، فاللام ليست للتعليل، إنما لام النتيجة والعاقبة، وهي أن تفعل الشيء لمراد عندك، ثم تأتي العاقبة لتدل على غباء الذي فعل. وقوله: ﴿ المنافقين والمنافقات.. ﴾ [الأحزاب: 73] سبق أن عرفنا النفاق، وقلنا: إن النفاق أشد من الكفر لأن الكافر كان منطقيا مع نفسه لأنه كفر بقلبه وبلسانه. يعني: وافق لسانه ما في قلبه، أما المنافق فغير منطقي مع نفسه لأنه اعتقد شيئا ونطق بخلافه: أخفى الكفر وأظهر الإيمان فهو مشتت الفكر لذلك استحق أن يكون أعدى الأعداء، وأن يكون في الدرك الأسفل من النار، ويكفي ما فيه من خداع وتمويه، فهو بظاهره معك، وفي حقيقته هو عدوك. ونلحظ أيضا في هذه الآية أن الحق سبحانه أراد أن يفصل فصلا تاما بين جزاء المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، وبين جزاء المؤمنين والمؤمنات، فالأسلوب البشري يقتضي أن يقول بعدها: ﴿ ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات.. ﴾ [الأحزاب: 73] ويتوب على المؤمنين والمؤمنات. لكن السياق القرآني هنا لم يعطف التوبة على العذاب وفصل الفعلين بتكرار الفاعل الصريح، وهو لفظ الجلالة فقال ﴿ ليعذب الله.. ﴾ [الأحزاب: 73] وقال: ﴿ ويتوب الله.. ﴾ [الأحزاب: 73] ليفصل هذا عن هذا، ويعزله بحكم خاص به لأن لله تعالى - كما ذكرنا - صفات جلال، تختص بالكافرين والمنافقين، وصفات جمال تختص بالمؤمنين، ولكل من النوعين سياق خاص مستقل.