33.26
معنى ﴿ ظاهروهم.. ﴾ [الأحزاب: 26] أي: عاونوهم ﴿ من صياصيهم.. ﴾ [الأحزاب: 26] أي: من حصونهم وقلاعهم ﴿ وقذف في قلوبهم الرعب.. ﴾ [الأحزاب: 26] أي: الخوف وهو جندي من جنود الله، وهذا الرعب الذي ألقاه الله في قلوب الكافرين هو الذي فرقهم، ولم يجعل لكثرة العدد لديهم قيمة، وما فائدة أعداد كثيرة خائفة مذعورة
يحسبون كل صيحة عليهم..
[المنافقون: 4]. ألم يحدثنا صحابة رسول الله أنهم كانوا يستعملون السواك، فظن الكفار أنهم يسنون أسنانهم ليأكلوهم، هذا هو الرعب الذي نصر الله به عباده المؤمنين. ومعنى ﴿ فريقا تقتلون.. ﴾ [الأحزاب: 26] أي: المقاتلين الذين يحملون السلاح ﴿ وتأسرون فريقا ﴾ [الأحزاب: 26] وهم النساء والذراري وغيرهم ممن لا يحملون السلاح. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم... ﴾.
33.27
معنى ﴿ وأورثكم.. ﴾ [الأحزاب: 27] أي: أعطاكم أرض وديار وأموال أعدائكم من بعد زوالهم وانهزامهم ﴿ وأرضا لم تطئوها.. ﴾ [الأحزاب: 27] أي: أماكن جديدة لم تذهبوا إليها بعد، والمراد بها خيبر، وكأن الله يقول لهم: انتظروا فسوف تأخذون منهم الكثير ﴿ وكان الله على كل شيء قديرا ﴾ [الأحزاب: 27]. وهكذا انتهى التعبير القرآني من قصة الأحزاب. وينبغي علينا الآن أن نستعرض القصة بفلسفة أحداثها، وأن نتحدث عما في هذه القصة من بطولات، ففيها بطولات متعددة، لكل بطل فيها دور. وتبدأ القصة حين ذهب كل من حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكانا من قريظة، ذهبا إلى قريش في أماكنها، وقالوا: جئناكم لنتعاون معكم على إبطال دعوة محمد، فأتوا أنتم من أسفل، وننزل نحن من أعلى، ونحيط محمدا ومن معه ونقضي عليهم. وكان في قريش بعض التعقل فقالوا لحيي بن أخطب وصاحبه: أنتم أهل كتاب، وأعلم بأمر الأديان فقولوا لنا: أديننا الذي نحن عليه خير أم دين محمد؟ فقال: بل أنتم أصحاب الحق. سمعت قريش هذا الكلام بما لديها من أهواء، وكما يقال: آفة الرأي الهوى لذلك لم يناقشوه في هذه القضية، بل نسجوا على منواله، ولم يذكروا ما كان من أهل الكتاب قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، وأنهم كانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله ويقولون لهم: لقد أطل زمان نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم، لقد فات قريشا أن تراجع حيي بن أخطب، وأن تسأله لماذا غيرتم رأيكم في محمد؟ ثم جاء القرآن بعد ذلك، وفضح هؤلاء وهؤلاء، فقال سبحانه:
ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا
[النساء: 51]. فكانت هذه أول مسألة تغيب فيها العقول، ويفسد فيها الرأي، فتنتهز قريش أول فرصة حين تجد من يناصرها ضد محمد ودعوته، ومن هنا اجتمع أهل الباطل من قريش وأحلافها من بني فزارة، ومن بني مرة، ومن غطفان وبني أسد والأشجعيين وغيرهم، اجتمعوا جميعا للقضاء على الدين الوليد. ثم كانت أولى بطولات هذه المعركة، لرجل ليس من العرب، بل من فارس عبدة النار والعياذ بالله، وكأن الحق سبحانه يعد لنصرة الحق حتى من جهة الباطل، إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي، الذي قضى حياته جوالا يبحث عن الحقيقة، إلى أن ساقته الأقدار إلى المدينة، وصادف بعثة رسول الله وآمن به. وكان سلمان أول بطل في هذه المعركة، حين أشار على رسول الله بحفر الخندق، وقال: يا رسول الله كنا - يعني في فارس - إذا حزبنا أمر القتال خندقنا يعني: جعلنا بيننا وبين أعدائنا خندقا، ولاقت هذه الفكرة استحسانا من المهاجرين ومن الأنصار، فأراد كل منهم أن يأخذ سلمان في صفه، فلما تنازعا عليه، قال سيدنا رسول الله لهم " بل سلمان منا آل البيت " وهذا أعظم وسام يوضع على صدر سلمان رضي الله عنه.